المحاضرة الرمضانية الثالثة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي – 03 رمضان 1447هـ | 20 فبراير 2026م
المحاضرة الرمضانية الثالثة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي – 03 رمضان 1447هـ | 20 فبراير 2026م
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
في سياق الحديث عن قصة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، على ضوء الآيات المباركة من (سورة القصص)، كُنَّا تحدَّثنا بالأمس عن بعضٍ من العبر والدروس المهمة، المستفادة من تلك الآيات المباركة، وما نستفيده من تلك الآيات المباركة مما ينبغي أن نستوعبه، في إطار ما يهدينا الله له، وتقتضيه أيضاً ظروف هذه المرحلة، وإلَّا فهدى الله واسع، وما تفيده الآيات القرآنية هو الكثير والكثير، ما نستوعبه، أو نعرفه، أو نقدِّمه، هو الشيء القليل.
على ضوء قوله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {نَتْلُو}[القصص:2]، يتبين لنا أهمية هذه القصة؛ باعتبار أن مصدرها الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وفي إطار هديه لعباده في كتابه المبارك.
في قوله: {عَلَيْكَ}[القصص:2]، تحدثنا عن الدلالة المهمة لذلك: أن المتلقي هو الرسول “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، المهتدي بهدى الله، والمنتفع به علماً ونوراً، واستلهاماً من سير الأنبياء “عَلَيْهِمُ السَّلَام”، ومن الأحداث التاريخية، التي يقصُّها عليه، واستفادةً من العبر بشكلٍ عام، وكل هذا في إطار مهمته الرسالة المقدَّسة.
{مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ}[القصص:3]، النبأ المتلقَّى هو من خبر موسى وفرعون، بعضٌ من الخبر المهم العجيب، فما ورد من القصة هو البعض، بحسب مقتضى الحكمة، وموطن العِبرة، ومتطلبات الهداية، وإلَّا فالقصة طويلة، وأحداثها كبيرةٌ وكثيرة، وهي أحداثٌ ساخنة، استمرت لسنواتٍ طويلة.
القصة فيها نماذج متباينة:
- نموذج موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، الذي هو من نماذج رحمة الله بعباده، من نماذج الهدى، والإحسان، والسعي لإنقاذ المستضعفين، ومواجهة الطغيان والاستكبار، من نماذج الثقة بالله ووعده، والتَّحَمُّل للمهام الرسالية في ظل ظروفٍ بالغة التعقيد.
- وهناك النموذج الآخر: فرعون في القصة، وهو حاكم مصر في ذلك العصر، الذي وُلِدَ فيه نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، ونشأ فيه، وكان فرعون على رأس دولةٍ قوية، يمتلك قوةً عسكريةً ضاربة، وإمكاناتٍ اقتصاديةٍ هائلة، وسيطرةٍ سياسيةٍ مستحكمة، وشعباً مطيعاً وخاضعاً، وفرعون وظَّف كل تلك القدرات والإمكانات والطاقات في الطغيان والتكبر، إلى درجة ادِّعائه الربوبية والألوهية، واتِّجاهه بطغيانه إلى حياة الناس وواقعهم؛ ولذلك كان نموذجاً يعبِّر عن صورة من أبشع صور الطغيان والاستكبار، والظلم والإجرام.
في الآيات المباركة عندما قال الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ}[القصص:3]، {بِالْحَقِّ}، هذا النبأ الذي قدَّمه الله لنا، هو سليمٌ وصافٍ من أيِّ خرافة، أو أسطورة، أو باطل، أو كذب، هو حقائق واقعية، وتلاوتها، والوحي بها إلى رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، هو أيضاً لهدفٍ مهمٍ وحق.
{لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[القصص:3]، فهذه الأنباء هي من دلائل النبوَّة، ومحتواها هدايةٌ يستفيد منها المؤمنون في زيادة إيمانهم، وفي مهامهم الإيمانية المقدَّسة؛ فتكون ثمرة إيمانهم بها: ثباتهم، وثقتهم بوعد الله، وبصيرتهم، ووعيهم، ومعرفتهم بسنن الله، واستفادتهم من هذه الدروس، ويقينهم بأنَّ الله غالبٌ على أمره، وأنَّ الأعداء مهما تعاظمت قواهم، وتزايدوا عدداً وعدَّة، في مقابل قلة المؤمنين وإمكاناتهم المحدودة، ومهما كان حجم الضغط من جهة الأعداء، فإنَّه ينبغي ثبات المؤمنين، وألَّا يهنوا، ولا يتراجعوا عن طريق الحق، فإنَّ الله قادرٌ على إنجاز وعده لهم، وهو عليه سهلٌ يسير، وهو “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” يصنع المتغيرات العجيبة.
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}[القصص:4]، فرعون تجاوز حدَّه كعبدٍ لله، ومخلوقٍ ضعيف، إلى الطغيان والتَّكبر، الذي وصل به إلى درجة ادِّعاء الألوهية، والاستعباد للناس، واتَّجه بطغيانه واستكباره إلى واقع الناس، ممارسةً عملية إجرامية، وسياسةً ظالمة، يعامل المجتمع بها.
{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}[القصص:4]، استخدم سياسة: (فرِّق تسد)، وسعى أيضاً إلى استغلال كلِّ فئات المجتمع في إطار ذلك، وسعى إلى إثارة التباين بين المجتمع؛ حتَّى يتمكَّن من إحكام السيطرة عليه، وهكذا هي السياسة (سياسة الطغيان الفرعونية)، التي تقوم على استغلال تباينات المجتمع، وصناعة المزيد من هذا التباين، وتسخير أقوام ضدَّ أقوام، واستغلال الجميع وفق تلك الطريقة، هي أيضاً سياسة طاغوت العصر المستكبر: اليهود، وأمريكا، وإسرائيل، في معاملتهم ولاسيَّما تجاه أمتنا الإسلامية.
{يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ}[القصص:4]، تجاه فئةٍ منهم، هم بنو إسرائيل، اعتمد سياسة الاستضعاف، والاضطهاد، والإذلال، والقهر، والظلم بأبشع صوره، وجعل من ذلك وسيلةً لتأمين نفسه من المحاذير التي كان يتوقَّعها منهم.
{يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ}[القصص:4]، بلغت حالة الاستضعاف لهم إلى درجة الأمر بالذبح لأبنائهم، كوسيلة من وسائل الاستضعاف لهم، ولمنع خلاصهم، استخدم هذا كإجراء احترازي، للحيلولة دون وجود الشخص الذي أخبره المنجِّمون والكهَّان أنَّه سينقذ بني إسرائيل، وأيضاً سيزول ملكه على يديه، واستخدم هذه الطريقة لتحديد النسل، كإجراء لتحديد النسل، ولمنع تكاثرهم، والاتِّجاه بهم نحو الفناء، واستخدم هذه الطريقة كإجراء تعذيب رهيب، يسومهم سوء العذاب، ولترسيخ حالة القهر، والسيطرة، والإذلال، وخضوع بني إسرائيل رغم ذلك كله يكشف الحالة التي وصلوا إليها من الخضوع والاستضعاف، وهو يذبِّح أبناءهم، بهذه الطريقة الإجرامية الوحشية، وكأنهم خرفان، يذهب بهم إلى القصَّابين، ويقومون بذبحهم.
وصل بني إسرائيل إلى أنهى درجة من الاستضعاف، في تلك الحالة والظروف ربما يغلب على معظمهم- إن لم يكن الكل- حالة اليأس من إمكانية الخلاص من ذلك، والكثير منهم- إن لم يكن الجميع- قد يتصوَّر ألَّا مخرج لهم من ذلك نهائياً.
{وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ}[القصص:4]، وهذا بهدف الاستغلال لهن في الخدمة، وللاستغلال للفساد، والامتهان للكرامة، وهذه من السياسات الطاغوتية في كل زمان: المحاولة لنسونة المجتمع، ثم لتمييع الجميع (رجالاً، ونساءً)، يعني: استهداف حالة الرجولة، وكل ما يرتبط بها من معانٍ في المجتمع، والاستهداف للرجال والنساء بهدف تمييع الجميع.
بينما نجد أنَّه هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” ومنهجه الحق يرتقي بالمجتمع كله (رجالاً، ونساءً)، وبالأدوار المهمة حتَّى للنساء، في إطار هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
{إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[القصص:4]، ففرعون في سياساته وإجراءاته كان مفسداً، كان الفساد ديدنه، وسلوكه، وكان فساده مستمراً، ويمارس الفساد بمختلف أنواعه وأشكاله، وهذه هي سياسة الطغاة:
- أولاً: لفسادهم في أنفسهم.
- وثانياً: لأنهم يرون في إفساد المجتمع، وممارسة الفساد في سياستهم تجاه المجتمع، أنها وسيلة أيضاً للسيطرة على المجتمع.
هذا الاستضعاف الدموي، كان في مقدِّمة أهدافه: أن يحول دون وجود وسلامة الشخص الذي على يديه خلاص المستضعفين من بني إسرائيل، وهو موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”.
هذه خلاصة عن الدرس الماضي، في بعضٍ من العبر والدروس المستفادة منه.
في درس اليوم، نتحدَّث على ضوء الآية القرآنية: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ}[القصص:5]، {وَنُرِيدُ}: إرادة الله الرحيم بعباده، وهو العزيز الحكيم، الذي لا يترك عباده هَمَلاً، فهو “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” بإرادته هذه يريد أن يمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض، والمنَّة العظيمة عليهم، هي: النعمة عليهم بالخلاص مما هم فيه من الاستعباد، والظلم، والقهر، والانتقال بهم إلى ظروفٍ مختلفةٍ تماماً، ينعمون فيها بالكرامة، بالعزَّة، بالحرية الحقيقية، ويتشرَّفون بأن يتحركوا في إطار مهمةٍ مقدَّسة، هي: التَّحَرُّك وفق تعاليم الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، لإقامة القسط، لإقامة الخير في المجتمع، للتصدِّي للطغيان… وهكذا.
وهذا من تدبير الله الحكيم، ومن مظاهر رحمته العظيمة بعباده، وهي سنَّةٌ مستمرة؛ ولهذا لم يكن التعبير عنها باعتبارها من الماضي وانتهت، كانت إرادةً في حقبةٍ تاريخيةٍ من تاريخ البشر، ومرحلةٍ معيَّنة، ثم انتهى الأمر، بل هي سنَّةٌ من سنن الله الثابتة، المستمرة في كلِّ الأجيال، فالله يريد خلاص المستضعفين؛ لأنه الرحيم بعباده، أرحم الراحمين، يريد لهم الخلاص، يريد لهم أن ينتقل بهم إلى دورٍ رائدٍ في المجتمع في مواجهة الطغاة والمستكبرين، فهي إرادةٌ باقية، في إنقاذهم، وفي اختيارهم لمهمةٍ ودورٍ عظيمٍ ومقدَّس، وهذا أيضاً من مصاديق: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}[يوسف:21].
ولهذا يعتبر الدرس من قصة موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” وفرعون درساً مهماً؛ لأنه يبين لنا حجم الاستضعاف لبني إسرائيل من جهة، وفي مقابل ذلك: حجم الطغيان الرهيب بكل وحشيةٍ وجبروت من جهة فرعون، وكيف كانت قد استحكمت قبضته وسيطرته، في مقابل الحالة من الضعف، والاستسلام، والعجز، التي كان قد وصل إليها بنو إسرائيل، لدرجة أن يتفرَّجوا على أطفالهم الرُّضع حينما يؤخذون ويذبحون، ولا يصدر منهم أي رد فعل تجاه ذلك، يعني: أنهى حالة من الاستضعاف يمكن أن يتصوَّرها الإنسان، في مقابل ذلك نجد ما حدث من متغيرات، من خلال إرادة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
ولهذا علينا أن نعي تجاه واقعنا على المستوى العالمي، والإقليمي، والمحلي: أنَّ من السنن الإلهية الثابتة، المستمرة عبر التاريخ، أنَّ ينقذ الله المستضعفين، وأنَّه لا يترك المجال للطغاة، والمجرمين، والمستكبرين، والظالمين، لكي يتحكَّموا بالناس ويستعبدونهم، ثم لا يحصل من جانب الله أي تدخُّل لإنقاذ المستضعفين، هذا يتنافى مع عزَّة الله وحكمته.
ولكن من المهم للمستضعفين: أن يكونوا مستضعفين واعين، أن يكونوا حريصين على خروجهم من الوضعية التي هم فيها، واليهود الذين هم في هذه المرحلة في ذروة الطغيان والاستكبار، هم يعرفون هذه السنَّة الإلهية الثابتة في إرادة الله لإنقاذ المستضعفين؛ ولذلك هم بالرغم- فيما يتعلَّق بواقع أمتنا الإسلامية- بالرغم من سيطرتهم على حكوماتها، وضمان ولاء معظم الزعماء والحكَّام لهم، وخضوعهم لهم، لم يطمئنوا إلى ذلك، ولم يعتبروه كافياً في السيطرة في على هذه الأمة، فهم يخشون هذه الشعوب، الشعوب التي نجدها وصلت إلى مستوى رهيب من حالة الاستضعاف، والذِّلَّة، والخضوع، وحالة الاستسلام، حالة الاستسلام التي قد أطبقت على معظم هذه الشعوب؛ ولذلك يركِّزون بشكلٍ كبير على مسألة الإفساد للشعوب نفسها، لماذا؟ لأنهم يريدون للشعوب أن تكون قد فسدت، فيكون أولئك المستضعفون غير جديرين بأن يقف الله معهم، يبعدونهم عن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، يبعدونهم عن أن يكونوا محطَّ رعاية الله ورحمته، يبعدونهم عن أسباب الخلاص والفرج، من خلال ماذا؟ من خلال إفسادهم؛ حتَّى يكونوا في وضعية التسليط الإلهي عليهم، وهذه من الحقائق المهمة جدًّا.
فالشعوب التي هي فيها في حالة استضعاف، والتي يرى فيها الكثير من الناس مبرراً لحالة الاستسلام، ثم يتذرَّع بها، في حالة الخضوع، وعدم الاستجابة لأي تحرُّكٍ جاد، هذه الحالة هي حالة مخيفة لليهود، لماذا؟ لأنهم يعرفون عنها حتَّى تاريخياً، بل عاش أسلافهم أجدادهم في مرحلة من التاريخ، عاشوا مرحلة الاستضعاف تلك في أدنى وأقصى مستوياتها، وعرفوا كيف أمكن أن يكون الخلاص من تلك الوضعية.
ولهذا يأتي في القرآن الكريم الفرز والتبيين لنا في حالات المستضعفين، وفي التصنيف للمستضعفين، وهذا التصنيف القرآني يفرز المستضعفين إلى ثلاثة أصناف:
- منهم المستضعفين الواعين، المستضعفون الواعون يتميَّزون بأنهم يعون بظروفهم وواقعهم، وهم غير راضين عما هم فيه، وعما يمارسه الطغاة تجاههم من ظلم، وإجرام، واستكبار، ولديهم اتِّجاه إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” لتغيير ما هم فيه، فهؤلاء الذين لديهم إرادة التغيير، واتِّجاههم إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وليسوا راضين بالوضعية التي هم فيها، هؤلاء عبَّر عنهم القرآن الكريم حتَّى في قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا}[النساء:75]، هؤلاء مستضعفون واعون، غير راضين عن الوضعية التي هم فيها، يدركون ما هم فيه من الظلم، والاضطهاد، والقهر، يتوقون للتحرر، يتوجهون إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، هؤلاء الذين هم جديرون بأن يفرِّج الله عنهم، جديرون برعاية الله، برحمة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
- هناك فئة أخرى من المستضعفين، وهم الذين لا يعون واقعهم، ولا يتوقون إلى التغيير لما هم فيه، ولا يتَّجهون إلى الله في ذلك، بل هم في حالة استسلام تام، وجمود، وليس عندهم إرادة للتغيير، ولا توجه إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في إطار ذلك التغيير، وهؤلاء من النماذج التي حكاها الله عنهم في القرآن الكريم، في قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}[النساء:97-99]، هذا النوع أيضاً هو نوع ليس جديراً برحمة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، حتَّى في الآخرة، يقول عنهم: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء:97]؛ لأنهم كانوا في حالة قبول بالحالة التي هم فيها، واستسلام، ولم يمتلكوا إرادة التغيير، ولم يأخذوا بأسباب الفرج والخلاص.
- أمَّا النوع الثالث: فهم النوع المتَّبع- النوع الثالث من المستضعفين- المتَّبع للطغاة والمستكبرين، والموالي لهم، هؤلاء يدخلون في سنَّة: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[الأنعام:129]، وهم من قال عنهم في القرآن الكريم: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ}[غافر:47-48].
عودةً إلى موضوع المستضعفين، والوعد الإلهي لهم، نجد هنا في قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا}[القصص:5]، وكما قلنا: أتى التعبير القرآني ليبيِّن أنَّها سنَّة من سنن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
وأتت إرادة الله فيما يتعلَّق بوضعية المستضعفين من بني إسرائيل في تلك المرحلة، في إطار هذه السنَّة نفسها، يقول: {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}[القصص:5]، هكذا هي إرادة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، أكثر من مسألة مجرَّد الخلاص، والفرج، والإنقاذ لهم من الوضعية التي هم فيها؛ بل أن ينقلهم إلى وضعٍ متقدَّم، إلى وضعٍ كبيرٍ وعظيم، إلى أن يجعل منهم أمةً مستقلةً، قادتها منها، ويجعل لهم المجال للتأثير في الساحة، أمة مؤثِّرة في الساحة، تترك أثرها، لها فاعليتها، لها دورها في الساحة، وهذه إرادة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في إطار حكمته ورحمته بعباده، وهذا يفتح الأفق الواسع، والأمل العظيم بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” للمستضعفين؛ لأنه أيضاً في إطار هذه السنَّة الإلهية.
ونجد- مثلاً- في قصة بني إسرائيل، النقلة إلى وضعية هي عندهم في قائمة المستحيلات، في قائمة المستحيلات، يعني: ما لا يتوقعونه أبداً، في تلك الوضعية التي كانوا فيها مستعبدين بكل ما تعنيه الكلمة، يعني: إلى درجة أنَّ فرعون وهامان قالا: {أَنُؤْمِنُ}– بعد بعثة نبي الله موسى ومجيئه بالرسالة الإلهية- {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ}[المؤمنون:47]، يعني: حالة استعباد، من تلك الوضعية التي هم فيها في حالة استعباد، وخضوع تام، واستسلام كامل؛ إلى مستوى أمة حُرَّة، مستقلة، قادتها منها، وفيها القادة الذين يتحرَّكون في إطار أوامر الله وتعليماته وتوجيهاته، نقلة كبيرة جدًّا، من وضعية إلى وضعية مختلفة تماماً: من وضعية استعباد، وقهر، وذلة، وخضوع، واستسلام، ومصادرة للقرار والموقف؛ إلى موقع الريادة، والإدارة، والصدارة في المجتمع، وإلى هذا المستوى المتقدِّم.
بينما كان عدوهم هو المتحكِّم بهم، المسيطر عليهم، يسومهم سوء العذاب، يتحكَّم بهم في إطار عداء لهم، عداء شديد لهم، يهتك حرمتهم وكرامتهم، يذبِّح أبناءهم، يعذِّبهم أشد العذاب، ثم هذه النقلة الكبيرة جدًّا.
{وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}[القصص:5]، الوارثين في الأرض، وهذا الدور نفسه، كله يأتي في إطار مهمة مقدَّسة، وهي: الحركة برسالة الله وتعاليمه “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
هذا الدور وهذه النقلة أتت لها أمثلة كثيرة في التاريخ، حتَّى في صدر الإسلام، بالنسبة للمسلمين في مكَّة، ورسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” يتحرك في إقامة الرسالة الإلهية، في التبليغ لها في مكَّة، ما قبل هجرته إلى المدينة، والوضعية وضعية استضعاف شديد، ومعاناة كبيرة جدًّا، في تلك المرحلة أتى الوعد من الله بالنصر في قصة (سورة الروم)، في المتغيرات التي ستحدث أيضاً على مستوى الصراع العالمي- آنذاك- ما بين الروم والفرس، ثم يقول الله: {فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ}[الروم:4-5]، في تلك الوضعية كانت المسألة أقرب إلى ما يكون بالخيال، عند بعض المسلمين المستضعفين، المضطهدين في مكَّة، وهم في وضعية ليست فيها أي ظروف تعبِّر عن قوَّة، أو مؤشرات وعلامات لمثل هذه النقلة الكبيرة.
ونموذج آخر لها أيضاً في أثناء التحضير والاستعداد لغزوة الأحزاب، أثناء حفر الخندق بجوار المدينة؛ لمواجهة الأحزاب، التي قد تحالفت بتخطيطٍ يهودي للهجوم على المسلمين في المدينة، ما بعد هجرة النبي بسنوات إلى المدينة المنوَّرة، فرسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” استعد لمواجهة الأعداء، وأمر بحفر الخندق في منطقة تقتضي التدابير العسكرية حفر الخندق فيها، أثناء حفر الخندق والبشارة التي أتت بأن يصل الإسلام إلى صنعاء في اليمن، وأن يصل إلى المدائن في العراق، وهي- آنذاك- عاصمة الفرس، وأن يصل أكثر من ذلك أيضاً إلى مناطق تحت سيطرة الروم، ماذا قال المنافقون آنذاك؟ {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}[الأحزاب:12]، وسخروا حتَّى من الوعد الإلهي من هذه البشارة، بشارة بنقلة، بمتغيرات كبيرة جدًّا، لم يستوعبوا أنَّه من الممكن أن تحدث.
{وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}[القصص:6]، هذا التمكين أيضاً يأتي في إطار تلك المسؤوليات المقدَّسة التي تقترن به: الحركة في إطار رسالة الله، وهدى الله، وتعاليم الله، فيكون لهم دور في الأرض، دور أمر ونهي، وتمكين لإقامة دين الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
التعبير القرآني في كل هذه الوعود أتى ليؤكِّد سنَّة من سنن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وليس مجرَّد خبر عن أحداث من التاريخ، هذه من أهم مواطن العبرة فيه، من أهم مواطن العبرة فيه.
{وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص:6]؛ لأن المستكبرين الطغاة مهما بلغ طغيانهم، ومهما كانت سيطرتهم، ومهما بلغت حالة الاستضعاف للمستضعفين، عادةً ما يكونون في حالة قلق مستمر من المستضعفين، ولاسيَّما المستضعفين الواعين، وهم يعتمدون في إطار حساباتهم إلى اعتماد الظلم كوسيلة، والاضطهاد كسياسة، والجبروت كحائل وضمانة؛ لمنع قيام المستضعفين وحركتهم وتحررهم.
في الآية المباركة، في قول الله تعالى: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ}[القصص:6]، هنا يبرز دور هامان، وكان له دور بارز مع فرعون، وهو وزيره، وكذلك في قول الله تعالى: {وَجُنُودَهُمَا}[القصص:6]، الدور المهم للقوات العسكرية آنذاك، والقدرة العسكرية، والقوة العسكرية الضاربة، التي يستندان عليها لممارسة الطغيان والظلم والإجرام.
{مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص:6]، هذه المحاذير التي هي في حساباتهم تجاه المستضعفين، والتي يلجؤون لاتِّخاذ إجراءات قائمة على الظلم، والطغيان، والإجرام، لمنعها، والحيلولة دونها، هي محاذير خلاص المستضعفين وتحررهم، وأيضاً غلبتهم، وقوَّتهم، وقيامهم في إطار السنَّة الإلهية، التي يعرفون عنها شواهد، شواهد:
- إمَّا في ما هو معاصرٌ لهم.
- أو في ما مضى.
- أو بحسب توقعاتهم.
نكتفي بهذا المقدار في محاضرة اليوم.
نَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛



![ميادين الجهاد – حلقة من المسير العسكري من قوات الاحتياط لألوية الأنصار.mp4_snapshot_00.20_[2026.02.19_00.09.06]](https://www.mmy.ye/wp-content/uploads/2026/02/ميادين-الجهاد-حلقة-من-المسير-العسكري-من-قوات-الاحتياط-لألوية-الأنصار.mp4_snapshot_00.20_2026.02.19_00.09.06-360x203.jpg)


![مسير عسكري لوحدات رمزية من المنطقة العسكرية الثانية.mp4_snapshot_02.22_[2026.02.16_20.49.41]](https://www.mmy.ye/wp-content/uploads/2026/02/مسير-عسكري-لوحدات-رمزية-من-المنطقة-العسكرية-الثانية.mp4_snapshot_02.22_2026.02.16_20.49.41-360x203.jpg)
