المحاضرة الرمضانية الخامسة عشرة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي – 15 رمضان 1447هـ | 04 مارس 2026م
المحاضرة الرمضانية الخامسة عشرة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 15 رمضان 1447هـ 04 مارس 2026م
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
كنَّا في المحاضرة الماضية تحدَّثنا في آخرها على ضوء الآية القرآنية المباركة، في قول الله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ}[القصص:19]، وتحدَّثنا عن كيف يسعى الطغاة وعلى مرِّ العصور، من فرض معادلة الاستباحة على المستضعفين:
- لكي تكون معادلةً ثابتة وقائمة.
- ولكي تكون مقبولة.
بحيث لا يكون هناك من جانب المستضعفين أي تحرُّك لرد فعل، أو لدفع ظلم، أو سعيٍ للتخلُّص مما هم فيه من الاضطهاد والظلم والعذاب، وبحيث إذا كان هناك أي تحرك في هذا الاتِّجاه ضد الظلم، ضد الطغيان، لرد فعلٍ من طغيان الطغاة، يجرَّم، يلام، تطلق الحملات الدعائية لتشويهه.
وهذا ما يسعى طغاة العصر (الأمريكيون، والإسرائيليون)، أذرع الصهيونية: أمريكا وإسرائيل، ومعهم بريطانيا والغرب، وعملاؤهم، ما يسعون ويحاولون ويعملون على أن يكون قائماً في واقع أُمَّتنا الإسلامية المستضعفة والمظلومة، شعباً شعباً، وتجاه أي جهة يستهدفونها بطغيانهم وظلمهم، بل إلى درجة أن تنطلق معهم أبواق الصهيونية، أبواق الخيانة والعمالة، التي تؤيِّدهم، وتناصرهم، وتعمل لمصلحتهم في أوساط الأُمَّة، ولاسيَّما من حركة النفاق، وحركة النفاق هي حركة كبيرة في هذا العصر في أوساط الأُمَّة، فيها زعماء، فيها حكومات، فيها أنظمة، توظِّف كل إمكانات شعوبها وبلدانها في خدمة اليهود الصهاينة.
فالدعاية التي واجه بها ذلك المستكبر موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، حينما اتَّجه ليبطش به؛ بهدف إنقاذ ذلك المظلوم المستضعف منه، كانت بعناوين معينة:
- {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ}[القصص:19]، أنت قاتل؛ بهدف التشويه، وتصوير موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” على أنَّه كأيِّ مجرمٍ قاتل، يمارس جرائم القتل بغير حق.
- ثم في قوله: {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ}[القصص:19]، يعني: تمارس الجبروت والطغيان، وتفتك بالآخرين، وتمارس العنف بغير مبرر، وتسعى لأن تفرض إملاءاتك بالقوَّة على الآخرين… وهكذا فيما يدخل تحت هذا العنوان.
- {وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ}[القصص:19]، تشكيك في نوايا وتوجهات وأعمال موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، أنها لا تهدف إلى إصلاح واقع، ومواجهة فسادٍ وطغيان، وهذا ما يعمله المستكبرون الطغاة ضد المظلومين المستضعفين، مع الاستهداف لهم بالطغيان، بالظلم، بالاضطهاد، بالقتل، بالجبروت.
مثلاً: في ذلك العصر، كانوا يقتلون المستضعفين بدون رحمة، لا يرحمون حتَّى الأطفال الرُّضَّع بعد ولادتهم، يذبحونهم، ويرتكبون جرائم إبادة جماعية، وبالتأكيد يقتلون حتَّى من الكبار لأتفه الأسباب، ويمارسون أنواع الجرائم ضد المستضعفين، وكأنها أعمال عادية، لا تُجرَّم، لا توصَّف بأيِّ توصيفٍ يجعلها في خانة شر، أو إجرام، أو طغيان، أو ظلم، أو فساد… أو غير ذلك، لكن أي تحرُّك من جانب المستضعفين، ومن ذلك تحرُّك موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، كتحرُّك في الاتِّجاه الصحيح، ضد ذلك الظلم والطغيان، يجرَّم، يشوَّه، في عصرنا هذا يحدث ذلك بشكلٍ تام.
على سبيل المثال: عندما تجمَّع اليهود الصهاينة من أصقاع الأرض، برعايةٍ بريطانيةٍ وغربية، ثم اتَّجهوا إلى فلسطين؛ لاحتلال فلسطين، واضطهاد وظلم الشعب الفلسطيني بكل أشكال الظلم، وصلوا إلى فلسطين بشكل عصابات مسلَّحة، ومنظَّمة، برعاية بريطانية وغربية، وبدأوا يمارسون جرائم القتل بأبشع الأشكال:
- يستهدفون الأطفال والنساء، والكبار والصغار.
- يعتدون على بعض القرى فيبيدون معظم سكانها بأبشع الطرق والوسائل.
- يفجِّرون بالديناميت تجمعات الشعب الفلسطيني في الأحياء السكنية والمدن.
- يبيدون بعضهم في مساجدهم.
- أو بعض القرى يجمعونهم في المسجد، ثم يبيدونهم في المسجد بشكلٍ كامل.
جرائم كثيرة جدًّا، وبرعاية وحماية بريطانية، إلى مرحلة معيَّنة، وأصبحت تلك العصابات بشكل كبير، بأعداد كبيرة، وهائلة، ومنظَّمة، ومسلَّحة، ومجهَّزة، ثم سلَّمت لها بريطانيا كل التجهيزات العسكرية اللازمة التي كانت بحوزتها في فلسطين، وزادت عليها، وتركت لها فلسطين في وضعية كانت بريطانيا فيها حتَّى تشارك في ضمان أن يبقى الشعب الفلسطيني مضطهداً، وشعباً أعزل، لا يمتلك السلاح، لا يمتلك الإمكانات اللازمة للدفاع عن نفسه، وعن عرضه، وأرضه، ومقدراته، ومقدَّساته، وكذلك كانت تساهم في ما يتعلَّق باستغلال علاقتها بالأنظمة العربية التي كانت مواليةً لها، في أن تلعب نفس الدور في الخذلان للشعب الفلسطيني، وفي التثبيط للشعب الفلسطيني، ومنع أي تحرُّك قوي في مرحلة مبكِّرة، يحرِّر الشعب الفلسطيني مِمَّا هو فيه من الاضطهاد والظلم.
ثم ما بعد ذلك، الشعب الفلسطيني في كل تحرُّكٍ يتحرَّك فيه، وهو شعبٌ مظلوم، مضطهد، معتدى عليه، محتلةٌ أرضه، وكذلك البلاد العربية؛ لأن فلسطين أصلاً أرض عربية، ومن البلاد الإسلامية، فأي تحرُّك عربي إسلامي فلسطيني، يعتبر بأنَّه تحرُّك مجرَّم في الدعاية الغربية، تحرُّك إرهابي، وإجرامي، وغير مقبول، ويَهُبّ الغرب (بريطانيا، أمريكا… الدول الغربية) لدعم اليهود الصهاينة بكل أشكال الدعم؛ بينما كان اليهود الصهاينة مستمرون أصلاً، مستمرِّين في الإجرام ضد الشعب الفلسطيني، في توسيع الاحتلال، في القتل بشكل مستمر لا يتوقَّف يومياً، ثم ضد البلدان العربية الأخرى، ثم ضد لبنان والشعب اللبناني.
ونفس المسألة: تترافق حملات دعائية إعلامية ضد أبناء هذه الأُمَّة، الذين هم في موقف الدفاع، والحق المشروع الواضح، عن أرضهم، وعرضهم، وممتلكاتهم، ومقدَّساتهم، لكن تترافق دائماً الدعايات الإعلامية المكثَّفة، والعناوين، والتبريرات الزائفة، التي يجعل منها الغرب الكافر، الظالم، الجبَّار، الطاغية، عنواناً دائماً لدعمه، وتبرير دعمه لليهود الصهاينة.
لكن في هذه المرحلة ساءت الأمور كثيراً؛ لأن البعض من الأنظمة العربية- آنذاك- كانت تؤدِّي دوراً، ولكن في إطار التستر والتَّخفِّي، دور سياسي، دور خفي في التثبيط، في الدعم السِّرِّيّ لليهود الصهاينة… وما أشبه ذلك.
في هذه المرحلة، وخلال هذه السنوات والفترة الأخيرة، يعني: من بعد الألفين، أصبحت بعض الأنظمة العربية واضحة- ومع الوقت أكثر وأكثر- في ولائها لأمريكا وإسرائيل، في تصهينها، في ولائها للصهيونية، في خدمتها للصهيونية، في عملها لصالح الصهيونية، وأصبحت تعادي بشكلٍ مكشوف ومتزامن، تعادي كل أبناء هذه الأُمَّة الأحرار، الذين يقفون في إطار الموقف الإنساني، الديني، الأخلاقي، القيمي، الحق، ضد طغيان أمريكا وإسرائيل، واليهود الصهاينة، والغرب الداعم لهم، فأصبحت بعض الأنظمة واضحة في أنَّها تقف بجانب أمريكا وإسرائيل، وأنَّها ضد أي طرف، أي شعب، أي نظام، أي جهة، لا تقبل بالخضوع والولاء لأمريكا وإسرائيل، وأصبحت الأمور واضحة، بحيث تسخَّر الإمكانات المادية، والإمكانات الإعلامية بكلها، ومعها كذلك الموقف السياسي، وأحياناً الموقف العسكري، والموقف الأمني… وكل أشكال الدعم للأعداء، فأصبحت حركة النفاق مكشوفة أكثر من أيِّ مرحلة مضت.
حتَّى في هذه الأيام، مع العدوان السافر، الغاشم، الظالم، الإسرائيلي، اليهودي، الصهيوني، الأمريكي، على الجمهورية الإسلامية في إيران، على الشعب الإيراني المسلم، والمسألة في غاية الوضوح، اعتداء بغير أيِّ وجه حق، اعتداء ظالم، غاشم، إجرامي، وحشي، لقتل الشعب الإيراني، لقتل قيادته، للاعتداء على رجاله وأبنائه، لارتكاب أبشع الجرائم حتَّى في استهداف المدارس، مدارس البنات، والإبادة الجماعية في قتل البنات، واستهداف الطالبات، والبنين كذلك، والاستهداف للشعب الإيراني المسلم.
ومسألة أنَّه عدوان مسألة واضحة، لم يسبق من إيران أن كان هي في حالة هجوم، وكان أولئك في حالة دفاع عن النفس، ومسألة أنَّ أولئك أيضاً، الأمريكي جاء من أقصى الأرض، من آخر الدنيا، إلى منطقتنا هذه، للاعتداء على شعوبها، ومن هذا عدوانه على الجمهورية الإسلامية في إيران، والشعب الإيراني المسلم، وكذلك اليهود الصهاينة هم تجمَّعوا من أصقاع كثيرة من الأرض، وأتوا إلى منطقتنا هذه، بشرِّهم، وطغيانهم، وعدوانهم، وبأهدافهم المعلنة، الصريحة، الواضحة في السيطرة على هذه المنطقة بكلها، وبعدائهم الصريح والواضح للإسلام في مبادئه، في قرآنه، في نبيه، في مقدساته، في شرعه، في نهجه، حتَّى في هويته العامة، وكذلك للمسلمين بشكلٍ عام.
هم في موقف العدوان، وهم جبهة كفر، وجبهة شر، وجبهة طغيان، وجبهة إجرام تمارس أبشع الجرائم، وهذا معروفٌ في حالهم على مدى عقود طويلة من الزمن؛ أمَّا الأمريكي على مدى أيضاً قرون فيما فعله بالهنود الحمر، اليهود كذلك في تاريخهم، ثم أيضاً في هذا الزمن، وهذا العصر، التاريخ كله إجرامي (التاريخ المعاصر)، عدوان، وإجرام، وظلم، وفساد، الصهيونية العالمية أهدافها من أسوأ الأهداف، كلها شيطانية، كلها شيطانية، حتَّى أنهم يمجِّدون الشيطان، ولديهم طقوس شيطانية، ويسعون إلى إخضاع الشعوب لهم، وفضائح [جيفري إبستين] تكشف الشيء القليل، وليست هي الوحيدة فيما قد كشفت شيئاً من حقيقة أمرهم، وخفايا أحوالهم، هناك فضائح كثيرة لهم، كلها يكشفها الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” من مصاديق قول الله “جَلَّ شَأنُهُ”: {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}[البقرة:72]، هو ما هو ظاهرٌ للعلن، هي أمور واضحة.
المسألة أنَّ هناك جبهة كفر، شر، طغيان، إجرام، عدوان، أتت إلى ساحتنا الإسلامية؛ لتستهدف شعوب أمتنا، وبلدان أمتنا، بكل أشكال الظلم، والطغيان، والإجرام، والإفساد، ثم حينما يتحرَّك أحد ضد هذا الطغيان، في موقف الدفاع، في الموقف المشروع إنسانياً، قانونياً، أخلاقياً، قيمياً، دينياً، معترفٌ به في كلِّ ما لدى أهل الأرض، سواءً أصحاب القانون الدولي، ومواثيق الأمم المتَّحدة… وغير ذلك، أو الأعراف الدولية، أو من ينتمون إلى الدين الإلهي، والقيم الإلهية، المسألة واضحة، لكن انظر كيف هو الإعلام العربي في معظمه، تجد الكثير منه- فعلاً- في صف الطغاة، في صف المجرمين، يبرِّر لهم إجرامهم، يمجِّد طغيانهم، يمارس الحرب النفسية ضد شعوب هذه الأُمَّة معهم، يجرِّم الموقف الحق، الذي هو في الدفاع عن النفس.
بل إلى درجة عجيبة جدًّا، في قصة القواعد الأمريكية المنتشرة في بلدانٍ عربية، في مقدِّمتها: دول الخليج، قواعد أمريكية يقوم الأمريكي منها بتنفيذ عدوانه الغاشم، الظالم، الإجرامي؛ لقتل أبناء الشعب الإيراني المسلم، سواءً من كانوا منهم في موقع المسؤولية في النظام الإسلامي، أو من بقية أبناء الشعب، من طلاب وغيرهم، ثم عندما يرد الجانب الإيراني على تلك القواعد، التي تعتدي عليه، والتي تستخدمها أمريكا لقتل الشعب الإيراني المسلم؛ تغضب الأنظمة العربية، توصِّف دفاع الشعب الإيراني المسلم، وحرسه الثوري المجاهد، وجيشه المجاهد، توصِّف ما يقوم به من دفاعٍ عن النفس، استهداف لتلك القواعد المعتدية عليه، بأنه عدوانٌ عليها هي، يعني: على السعودية، على قطر، على البحرين، على الكويت، على الإمارات… وهكذا، وينبرون للتصدِّي لكل عمليات الاستهداف لتلك القواعد الأمريكية، ومحاولة الدفاع عنها، في محاولة لتأمين الحماية لها في الوقت الذي هي تعتدي، فهم يعملون على توفير الحماية، والغطاء السياسي، والعسكري، والمالي، لتلك القواعد التي تمارس العدوان على أبناء أمتهم.
الشعب الإيراني المسلم هو جزءٌ من هذه الأُمَّة، مسلمون من هذه الأُمَّة الإسلامية، ومع ذلك يسعون إلى توفير الحماية، هم يقدِّمون الدعم المالي لتلك القواعد، البعض منها يتكفَّلون بكل نفقاتها المالية، يقدِّمون الغطاء السياسي والإعلامي، فإذا بهم في الأخير يريدون أن يكون المستضعفون مكتَّفين، ومكبَّلين، لا يدافعون عن أنفسهم؛ بحجَّة أنَّ تلك القواعد، التي تعتدي على أولئك المستضعفين المظلومين، هي تعتدي من بلدانهم بحمايتهم، يعني: فأي بلد عربي أو إسلامي، وأي شعب مظلوم، تعتدي عليه أمريكا، طالما هي تعتدي من قواعدهم، فعليه أن يقبل بذلك، أن يسكت، ألَّا يدافع على نفسه، لماذا؟ لأن تلك القاعدة المعتدية إمَّا في السعودية… وإمَّا في أي بلد خليجي؛ وبالتالي على أي شعب أن يسكت، وألَّا يصدر منه أي رد فعل، وألَّا يدافع عن نفسه، وأن يترك المجال الأمريكي ليقتله، ويدمِّر بلده، ويرتكب أبشع الجرائم بحقه، دون أي موقف ولا رد فعل.
هنا نرى حالة الطغيان الواضحة، الظلم المكشوف، الإجرام المفضوح، والمعادلات التي هي معادلات فرعونية، ظالمة، قائمة على البعد عن كلِّ القيم الإنسانية: عن الحق، عن العدل، عن الخير.
فتظهر حركة النفاق متوائمة، ومنسجمة، ومتعاونة مع الكافرين، الظالمين، المعتدين، وليس هذا فقط ضد الشعب الإيراني المسلم ونظامه الإسلامي، بل وحتَّى تجاه أيِّ شعب آخر، الحال نفسه، يصطفُّون مع الطغاة، مع الجبابرة، مع الظالمين، ويمكِّنونهم لاستهداف شعوب هذه الأُمَّة، وظلم أبناء هذه الأُمَّة، ويريدون- في نفس الوقت- من هذه الأُمَّة أن تكون خانعة، خاضعة، دون أي رد فعل، ومن ثم أيضاً تنطلق حملاتهم الدعائية الإعلامية لمناصرة الطغاة، بل والفرح معهم، يعني: البعض من المنتسبين لحركة النفاق في الأُمَّة، كانوا فرحين بما ترتكبه أمريكا وإسرائيل، وما نفَّذه العدو اليهودي الصهيوني من جرائم قتل ضد أبناء الشعب الإيراني المسلم، وضد القيادات الإيرانية المسلمة، ففرحوا مع اليهودي الصهيوني أنَّه يقتل من أبناء أمتهم الإسلامية، فرحوا معه، اشتركوا مع اليهودي الصهيوني في تأييد جرائمه، في الفرح بجرائمه، في السرور بجرائمه، في الابتهاج بجرائمه، وفي نفس الوقت في الحرب الإعلامية والدعائية معه، وفي أشكال أخرى من التعاون مع العدو اليهودي الصهيوني، وهذا غباء رهيب جدًّا، وضلال مبين، وخسرانٌ مبين أيضاً؛ لأن العدو اليهودي الصهيوني همه مع الأمريكي أن يتخلَّص من أحرار هذه الأُمَّة؛ لكي يكمل مخططه الصهيوني، الذي يسحق بقية أبناء هذه الأُمَّة، بما فيهم من كانوا منافقين وموالين له، لن يقدِّر لهم ولاءهم له، سيقول كما قال لمن قبلهم: [ماذا نفعل لكم وأنتم أغبياء؟]، حين قال البعض منهم آنذاك في مراحل تاريخية: [لماذا لا تفون بوعودكم لنا؟]، قالوا: [كانت وعود مخادعة، وماذا نفعل لكم؟]، البريطاني من قال لهم ذلك، [لأنكم صدَّقتم هذا الخداع، هذه مشكلتكم أنكم أغبياء]، هكذا سيقولون لهم من جديد.
وصلنا إلى قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}[القصص:20]، بعد انتشار خبر الحادثة السابقة في قصة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، ومع معرفة الفراعنة بالقضية؛ انزعجوا جدًّا، وعقدوا اجتماعاً على مستوى أعلى: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ}[القصص:20]، وخرجوا في مؤتمرهم ذلك بقرار، هو: القتل لموسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، مستوى الاجتماع: اجتماع من الملأ (من القادة)؛ والقرار الذي خرج به الاجتماع: هو القتل لموسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وكانوا يدرسون كيفية التنفيذ لإجراء القتل، كيف تكون الإجراءات لتنفيذ ذلك القرار.
استنفارهم تجاه تلك الحادثة، واتِّجاههم لإجراء حاسم هو القتل، هو يهدف إلى:
- إنهاء تحرُّك موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”.
- وقطع أي أمل للمستضعفين.
- وترسيخ حالة الاستسلام.
وهذا ما يحاولون دائماً كمنهجية من مناهج الطغاة العمل على ذلك.
ولكن نجد هنا دوراً مميَّزاً ذكرته الآيات القرآنية المباركة: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى}[القصص:20]، هذا الرجل كان معه اطِّلاع على ما دار في ذلك الاجتماع، وبالقرار الذي صدر، وأنهم يدرسون إجراءات التنفيذ، وبادر هو مسارعاً: {يَسْعَى}[القصص:20]؛ بهدف إيصال الخبر إلى موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، والنصح له بالخروج من المدينة، وحاول حتَّى أن يسبق جلاوزة الفراعنة قبل أن يصلوا هم إلى موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”.
البعض يقولون: أنَّ هذا الرجل هو الذي كان فيما بعد- بعد بعثة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” بالرسالة- مؤمن آل فرعون، وهذا متوقَّع، ومن الواضح أنَّه كان رجلاً بما تعنيه الكلمة؛ يمتلك قيم الرجولة، والشهامة، والوفاء، وكان مستاءً من طغيان فرعون، وكان متعاطفاً مع المظلومين، وكان يعلِّق الآمال على موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” وتحرُّكه، ويتعاون معه، فمن الواضح اهتمامه الكبير، ومبادرته ليسبق وصول المجرمين إلى هدفهم في قتل موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”؛ ولذلك ذهب وهو في آخر المدينة، {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ}[القصص:20]، من آخر نقطة فيها، مقارنة بالمكان الذي فيه نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، هذا ما قبل البعثة بالرسالة لموسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، فذهب وهو يسرع، ومن الواضح أنَّه- كما ذكرنا- يعرف موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”.
{قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ}[القصص:20]، فأخبره باجتماعهم وقرارهم، وأنهم يدرسون إجراءات التنفيذ لذلك القرار، {فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}[القصص:20]، هو يشجِّع نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” على الخيار الأنسب لتلك الظروف، وهو: الخروج من المدينة؛ لضمان سلامته؛ لأن أي موقف فردي يقوم به نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” في تلك الحالة، بشكلٍ شخصي، وبشكلٍ وحيد- كما شرحنا سابقاً- ليس له قيمة في خدمة الموقف والقضية، ففي مثل تلك الظروف الحل هو الخروج.
وكان هذا الدور الذي قام به هذا الرجل، الذي يمتلك قيم الرجولة والشهامة، في مبادرته إلى موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وإخباره بالخطر الذي يهدِّد حياته، ونصحه له بالخروج، كان إسهاماً مهماً، ودوراً مفيداً، يخدم قضية موسى، ويخدم موقف موسى، وتوجُّه موسى، فهو إسهام مهم جدًّا، مبادرته لهذا البلاغ: لإبلاغ موسى بذلك الخبر.
وهنا ندرك أهمية البلاغات الأمنية كدرس من هذه الدروس، وما يتعلق بالإشعار بالخطر، وواجب النصح في ذلك، وأهمية الوعي الأمني لدى الناس، يعني: مثل هذا الرجل كان بإمكانه أن يتجاهل الأمور، وأن يعتبر نفسه غير معني بما يحدث، ولكن لو سكت، ربما كان لذلك آثار وأضرار، ولكن في إطار التدبير الإلهي من جهة، وما يجريه الله على أيدي الناس، والبعض يؤهِّل نفسه لأن يكون أهلاً لدورٍ مفيدٍ، ونافعٍ، وأن يحقِّق الله على يديه أموراً مهمة.
فالبلاغ الأمني، الإشعار بالمخاطر تجاه ما يسعى له الطغاة، يخطط له المجرمون، ما يسعى لتنفيذه المجرمون، هو مهمٌ جدًّا، هو يدل:
- على حالة وعي.
- على شعور بمسؤولية.
- حتَّى على القيم الإنسانية.
- على الاهتمام بالقضايا المهمة ونجاحها.
ولذلك كان لهذا البلاغ أهميته.
البلاغــــات الأمنيـــــة لهـــا أهميـــــة:
- في حماية حياة الناس، أحياناً بلاغ أمني يحمي مجتمعاً من كارثة، يحافظ على أرواح، على حياة الناس، يدخل في إطار: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}[المائدة:32].
- أيضاً يساهم في إفشال مخططات الأعداء، وهي مخططات إجرامية، عدوانية، ظالمة، تستهدف الناس، والمجتمعات، والمظلومين، والمستضعفين، وأهل الحق، في حياتهم، في كل أمورهم، ومن جهة أيضاً، تستهدف ترسيخ سيطرة وسطوة الطغاة، والجبابرة، والظالمين.
نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” تلقَّى الخبر بِجِدِّيَّة، واتَّجه للخروج؛ لأنه نصحه، قال: {فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}[القصص:20]، يعني: مع إخباره بالخطر بمؤامرة الأعداء وما يسعون له، هو في نفس الوقت قدَّم له رؤية للتعامل مع الموقف، هي الرؤية الأنسب لوضعه، ولما يخدم قضيته، {فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}[القصص:20]، هو أدَّى واجب النصح، وواجب النصح يعيه- كما قلنا- من يمتلكون القيم الإنسانية، الذين يشعرون بالمسؤولية تجاه الآخرين، تجاه الواقع، بل ويحملون حتَّى روحية الإحسان والاهتمام.
{فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ}[القصص:21]، يعني: بادر على الفور بالخروج من المدينة، ولكنه حتَّى مع الخروج يواجه مخاطر، مخاطر، ربما كان لديهم نقاط، لديهم انتشار من جلاوزتهم في أماكن كثيرة؛ ولذلك كان {خَائِفًا}، وكان {يَتَرَقَّبُ}، فالمخاطر قائمة حتَّى أثناء الخروج، وأثناء السفر، وفي الطريق، والتَّوَقُّع للملاحقة والبحث عنه، ولديه معرفة بهم، وبأساليبهم؛ فلذلك كان مع خوفه يعمل على الاحتراز مما يعرفه عنهم من أساليب، من إجراءات، من تصرفات، ويعرف كيف هي أساليبهم في الرصد، في الرقابة، في الملاحقة، وكيف يعمل تجاه ذلك؛ ولهذا في قوله: {يَتَرَقَّبُ}، نأخذ منه: أنه لم يكن فقط- يعني- ينتظر ما سيفعلونه به، هو كان يعرف ما هي إجراءاتهم، أساليبهم، وما هو المتوقَّع منهم تجاه البحث عنه، والسعي للوصول إليه، وفي نفس الوقت يتَّخذ الإجراءات المناسبة لذلك.
{قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[القصص:21]، فهو يأخذ احتياطاته بقدر الإمكان، ولكنه دائماً في كل أحواله، وفي كل ما يواجهه من مخاطر، وفي مختلف ظروفه، كان عظيماً الالتجاء إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، يعني: فيما مرَّ بنا، وفي هذا المنعطف من قصته، وفي المراحل الآتية، نجد كيف كان موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” دائم الالتجاء إلى الله، عظيم الالتجاء إلى الله، منقطعاً إلى الله، ومعتمداً عليه، ومتوكلاً عليه، وهنا نجد هذا الالتجاء إلى الله: {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[القصص:21]، هو يثق بالله، ويتوكل على الله، وينقطع إلى الله في مختلف الأحوال، وهذا درسٌ مهمٌ لكل المؤمنين، وكان في تحرُّكه دائماً مستنداً إلى الله، وملتجئاً إليه، ومتوكلاً عليه.
وخرج وهو غير نادم فيما هو فيه، يعني: فيما هو فيه من حالة خطر، هو خرج وهو في إطار موقفٍ عظيم: في مواجهة الظالمين، ليس لديه الحسابات التي لدى البعض: [أنه أضرَّ بمصالحه، وسبَّب تهديداً وخطراً على حياته]، فما عند الله خيرٌ وأبقى، هو أعظم عنده ممَّا عند فرعون، وهو لا ينظر إلى الشكليات: قصور فرعون، الرفاه الذي لدى فرعون في الوضع المعيشي… ونحو ذلك، وموسى يثق بالله أنه لا يضيِّع أولياءه.
فإلى أين يذهب موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”؟ إلى أين يتَّجه؟ لأن بقية المدن في مصر، وحتَّى الريف، تحت سيطرة الفراعنة، ويمكن أن يصلوا إليه أينما ذهب، في أي مدينة أو منطقة في داخل مصر، وتحت سيطرتهم وسلطتهم.
نتحدَّث عن ذلك في المحاضرة القادمة.
وَنَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛







