المحاضرة الرمضانية الثامنة والعشرون للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي – 29 رمضان 1447هـ | 18 مارس 2026م
المحاضرة الرمضانية الثامنة والعشرون للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي – 29 رمضان 1447هـ | 18 مارس 2026م
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
في المحاضرة الماضية، تحدَّثنا على ضوء الآيات القرآنية المباركة في قصة الجولة الكبرى: ما بين نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، وما بين فرعون وملئه والسحرة الذين حشرهم من مختلف المدن في مصر، وكان يسعى إلى تصوير المعجزة الكبرى لنبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، على أنَّها مجرَّد سحر يقابله بسحر، وأنَّه سيكشف هذه الحقيقة للناس، وجمع الناس ليحضروا من أجل ذلك، وتحدَّثنا على ضوء الآيات القرآنية المباركة بالتفصيل عن ذلك.
ثم كيف كانت خيبة أمل فرعون الطاغية، المستكبر، حينما ظهر فشل السحرة وإفكهم، {وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأعراف:118]، وتحقَّق انتصار إضافي وعظيم لنبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، وتجلَّت حقيقة المعجزة الإلهية للناس، الذين حضروا، وكانوا قد حشدوهم للاجتماع وللمشاهدة لما يحدث، وكان حجم الهزيمة لفرعون وملئه وأعوانه بشكلٍ كبير؛ ولهذا عبَّر عنها الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في القرآن الكريم بقوله تعالى: {فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ}[الأعراف:119].
ثم إضافةً إلى ذلك، اغتاظ فرعون أشدَّ الغيظ، لمَّا آمن السحرة؛ لأنهم بمشاهدتهم للمعجزة الكبرى، وبطلان سحرهم وإفكهم، سجدوا، سجدوا، واتَّجهوا للسجود بشكلٍ عبَّر عنه القرآن الكريم بقول الله تعالى: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}[الأعراف:120]، لمَّا اتَّجهوا بسرعة وخضوع كبير، واندهاش عظيم للمعجزة الإلهية، وكأنما أحداً ألقاهم إلى الأرض حينما اطَّرحوا للسجود.
ثم أعلنوا إيمانهم بشكلٍ صريحٍ وواضح، بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}[الشعراء:47-48]، اغتاظ فرعون أشدّ الغيظ من إيمانهم؛ لأنه انتصار إضافي لموسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، وللحق وللرسالة الإلهية، {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}[طه:71]، ففرعون اتَّجه ما بعد هزيمته تلك، والانتصار الجلي الحق، وتجلِّي المعجزة الكبرى للناس، اتَّجه إلى اعتماد الدعاية الكاذبة من جهة؛ لتشويه الحقائق وتحريفها، وأيضاً إلى ممارسة الجبروت والطغيان؛ لإخافة الناس، وللتنكيل بأولئك السحرة الذين آمنوا.
فهو في بداية كلامه هذا، حينما قال: {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}[طه:71]، يقدِّم نفسه على أنه يمتلك فيهم من الحق والملك ما لا يمكن لهم حتَّى الإيمان أن يؤمنوا إلَّا بإذنه! وهكذا كان طغيانه: هو يتصوَّر أنَّ حقَّه في الناس، وتصرفه فيهم، إلى درجة العبودية له، فلا يملكون هم لأنفسهم حتَّى أن يؤمنوا بالله إلَّا بإذنه، ولأنه لم يأذن؛ فذلك مشكلة كبيرة، وإدانة لهم.
ثم على الفور لفَّق تهمةً باطلةً، زائفةً، هو يعلم هو أنها كاذبة؛ وإنما لفَّقها كذباً: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ}[طه:71]، فهو يحاول أن يصوِّر ما حدث بأنه مجرَّد مؤامرة من موسى والسحرة، وأنهم انخدعوا لموسى؛ لأنه– كما يفتري ويزعم، فرعون يفتري ويزعم- أنَّ موسى كبير السحرة الذي علَّمهم السحر، وهو يعلم أنَّ هذا كذبٌ واضح، ملفَّق، لا أساس له من الصحة؛ لأنه يعرف موسى، ويعرف أنَّه لم يكن له أي علاقة بالسحرة، وأنَّه لم يتعلَّم السحر أصلاً، لا في الفترة التي قبل هجرته إلى مدين، ولا بعد ذلك، ولكنه يعتمد أسلوب الدعايات.
ثم توعدهم بالإعدام بأشدّ طريقةٍ للإعدام، مصحوبة بالتعذيب أولاً، وهي: قطع الأيدي والأرجل من خلاف، يد من جهة، ورجل من جهة، {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}[طه:71]؛ لأنه حينما يصلبهم في جذوع النخل، تستمر حالة التعذيب حتَّى الموت، ويراهم الناس، يشاهدونهم في أثناء حالة تعذيبهم حتَّى الموت، وما بعد ذلك، {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}[طه:71]، يقدِّم مقارنة ما بينه وبين موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”.
هذا كله يعبِّر في عن حقده، وغضبه، ويعوِّض هزيمته الكبرى بمحاولة الانتقام بتلك الطريقة.
لكن كيف كان موقفهم، موقف السحرة الذين آمنوا تجاه كل ذلك؟ كيف كان ردهم على فرعون؟ كان نفس الرد يكشف مستوى النقلة العجيبة في إيمانهم، التَّحَوُّل الكبير في واقعهم على المستوى النفسي، والفكري، والثقافي، وكيف كانت حالة الانتقال من وضعٍ سابق كانوا فيه سحرةً كفرةً، إلى مؤمنين في درجة عالية من الإيمان، إيمان يستند إلى: الوعي، والبصيرة العالية، واليقين، والاتِّجاه الجادّ، والانشداد العظيم إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وما عند الله.
{قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا}[طه:72]، هنا يردون على قوله: {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}[طه:71]، يعني: لا يمكن أن يؤثروه على ما قد جاءهم من {الْبَيِّنَاتِ}[طه:72]: المعجزات الدالات على الحق، على أنَّ موسى فعلاً رسول من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
{وَالَّذِي فَطَرَنَا}[طه:72]، يعني: وعلى الله الذي فطرنا، لا يمكن أن نؤثرك، وأن نجعل الخضوع لك، والطاعة لك، قبل الخضوع لله، والطاعة لله الذي فطرنا، وأوجدنا في هذه الحياة، ووهبنا ما وهبنا في خلقنا وفطرتنا.
{فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ}[طه:72]، وهذا في مقابل التهديد والوعيد الذي وجهه لهم، بقطع أيديهم وأرجلهم، وبأن يصلِّبهم، وأن يعدمهم بهذه الطريقة الوحشية والإجرامية، وهذا يعبِّر عما هم عليه من ثبات على الإيمان، وانشداد عظيم إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، واستعداد عالٍ للتضحية؛ لأنهم عرفوا قيمة الإيمان، قيمة الموقف الحق، أهميته، وشعروا بأنهم أحرار، تحرَّروا من الخضوع لطاغيةٍ، مجرمٍ، مستكبر، تحرَّروا إلى عِزِّ الإيمان، عِزِّ الطاعة لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، الانشداد إلى الله، وإلى ما عند الله من الخير العظيم؛ ولهذا قالوا له: {إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}[طه:72]، يعني: ما يمكن أن نخسره بسبب إجرامك بحقنا، وعدوانك علينا، وتعذيبك لنا، وإعدامك لنا، أن نخسر هذه الحياة الدنيا، لكن في المقابل نضمن مستقبلنا العظيم في الآخرة، عند الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
{فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[طه:72-73]، قالوا: نحن جعلنا من إيماننا بالله، وثباتنا على هذا الإيمان، واستعدادنا للتضحية في ثباتنا على هذا الإيمان، وسيلةً إلى الله ليغفر لنا خطايانا في الماضي، وفيما كنا عليه من ممارسة السحر، ومن الواضح في هذه الجملة: {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ}[طه:73]، أنَّ المرحلة التي أرغموا فيها على أن يقوموا بتنفيذ جولتهم في مواجهة موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، بعد أن كان موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” حذَّرهم، وأتى فيما قرأنا من الآيات القرآنية المباركة: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ}[طه:62]، كانوا قد تنازعوا بينهم أمرهم في مسألة المواجهة لموسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، ففرعون صمَّم على أن يواصلوا ذلك.
{وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[طه:73]؛ ولذلك هم يدركون أنَّ التضحية في سبيل الله هي فوزٌ عظيم، يحظى من خلاله الإنسان المؤمن بخيرٍ عظيم، وبفوزٍ أبدي، وبنعيمٍ دائم، في مقابل أن يفوته شيءٌ مؤقَّتٌ من متاع هذه الدنيا الزائلة حتماً، وهذه نقلة عظيمة في وعيهم، في إيمانهم، في ثباتهم، ولا شك أنهم حظوا برعاية من الله، وتثبيت من الله، كما يبيِّن الله لنا هذه الحقيقة في القرآن الكريم، أنَّه يُمِدُّ المؤمنين به: بمعونته، بتثبيته، بتوفيقه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، يربط على قلوبهم، وينزل عليهم السكينة، ويمدُّهم بأنواع مدده ورعايته، الرعاية المعنوية العالية، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}[محمد:17].
تجاه ما سيقدمونه من تضحية، وما يلحق بهم من ألم، وعناء: {قَالُوا لَا ضَيْرَ}[الشعراء:50]، هم لا يكترثون لما سيعانونه من آلام نتيجة ذلك التعذيب الوحشي، بقطع أيديهم، وقطع أرجلهم، وصلبهم في جذوع النخل، {قَالُوا لَا ضَيْرَ}[الشعراء:50]، لا يكترثون لذلك، {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ}[الشعراء:50]، بهذه التضحية نرجع إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ونحن قد قدَّمنا هذه التضحية في سبيله، ولأجله؛ فنحظى بالكرامة عند الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، بالمغفرة، بالعفو، بما يمنُّ به على عباده المؤمنين.
{إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ}[الشعراء:51]، ونلاحظ هذه النقلة العجيبة:
- في ما كانوا فيه– في وقتٍ سابق- يطمعون أن يعطيهم فرعون الأجر، على ما سيقومون به من عملية سحر في مواجهة موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، {أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ}[الشعراء:41].
- إلى أن تحوَّلت آمالهم، ورجاؤهم، وما يطمعون به، إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وما عند الله- كما قالوا حتَّى هم: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[طه:73]- ما عند الله خيرٌ وأعظم.
{إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ}[الشعراء:51]، أن سبقوا بالإيمان، وقدَّموا النموذج لغيرهم في الثبات على الإيمان، في الإيمان بصدق ووعي، في كسر طغيان الطغاة وجبروتهم، وعدم الإذعان لتهديدهم، وفعلاً قدَّموا النموذج الراقي، الثابت، الواعي، المؤمن بوعيٍ وبصيرةٍ ويقينٍ راسخ، فلم يتزحزحوا عن إيمانهم.
وهذا انتصار إضافي للرسالة الإلهية، ولموسى “عَلَيْهِ السَّلَام”؛ لأن فرعون كان يؤمِّل على الأقل في حال تراجعوا عن إيمانهم أن يتبنُّوا معه الدعاية: أنَّ المسألة كانت خطة مدبرة بينهم هم وموسى، {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا}[الأعراف:123]، وأنَّ موسى كبيرهم الذي علمهم السحر… ومن تلك الدعايات، لكنه فشل، وثبتوا، ثبتوا على إيمانهم، قالوا له: {وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا}[الأعراف:126]، فسخطه، وغضبه، وجبروته تجاهه، هو لهذا السبب: أنهم آمنوا بآيات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، آيات الربّ، الذي هو المالك، الخالق، الرازق، المحيي، المميت، الذي له أمر الدنيا والآخرة.
{بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}[الأعراف:126]، فهم التجأوا إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وهذا من شأن الإنسان المؤمن في مواجهة التحديات، والمخاطر، والصعوبات، والمراحل الحرجة: أن يلتجئ إلى الله؛ لِيُمِدَّه بالصبر، وأن يُفْرِغ عليه الصبر.
الإنسان مهما كان إيمانه، لديه طاقة محدودة، قدرات محدودة، مستوى معيَّن من التَّحَمُّل؛ لكن بارتباطه بالله، بالتجائه إلى الله؛ يحظى بالمزيد من رعاية الله، ومعونته، ودعمه المعنوي.
وكيف كان همهم أن يتوفاهم الله مسلمين، وأن يكون لقاؤهم بالله في هذه التضحية، وهذه الشهادة، وهم في حالة الثبات على الإسلام: {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}[الأعراف:126]، وهذا يبيِّن ارتقاءهم الإيماني، الذي وصل بهم إلى درجة عالية من الوعي.
فهم- مثلاً– على مستوى الأطماع، والرغبات، وحسابات المصالح، التي تؤثِّر على الكثير من الناس في مواقفهم، بل إنَّ كثيراً مِمَّن يخدمون الباطل، ويميلون للباطل، ويتَّجهون في طريق الباطل، يتَّجهون نتيجةً للأطماع، والمكاسب المادية، والمصالح المادية، والإغراءات بالمناصب أو الأموال، فيتبنون أي باطل مهما كان، مهما كان في سوئه، في مستوى ما هو عليه من البطلان، يتجهون في ذلك.
أمَّا هؤلاء، فقد تركوا كل الإغراءات من فرعون الطاغية المستكبر، لماذا؟ لأنهم وثقوا أنهم لن يخسروا مع الله، ليس معنى المسألة أنَّك عندما يكون خيارك أن تتَّجه إلى الله، وتسير في طريق الحق، وتتقبَّل الحق الذي هو من الله، والهدى الذي هو من الله، أنك ستخسر؛ بل ستحصل من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” على ما هو أعظم من كلِّ ما في الدنيا بكلها، ومن ذلك: أن تؤمِّن مستقبلك الأبدي في الآخرة، حتَّى لو أدَّى الحال، واقتضى الأمر أن تُضَحِّي تضحيةً عاجلةً هنا في الدنيا، حتَّى بحياتك، فأنت تحظى بما وعد الله به الشهداء من نعيمٍ عظيم، من حياةٍ في تكريمٍ عظيم، ثم مستقبلك الأبدي عند الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في أرقى نعيم، ونعيمٍ خالص، وللأبد، هذا هو الفوز العظيم.
وقارنوا أيضاً- هؤلاء المؤمنون الذين آمنوا، وكانوا سحرةً قبل ذلك– قارنوا على مستوى المخاوف والتهديدات، وما يمكن أن يحصل من جهة العدو في جبروته وظلمه، على مستوى ما توعَّدهم به فرعون، من قطع الأيدي والأرجل، والصلب في جذوع النخل حتَّى الموت، ليعذبهم ويقتلهم بتلك الطريقة الوحشية، قارنوا بين ذلك وبين عذاب الله؛ فوجدوا أنَّ كلَّ شيء يهون، لا يساوي شيئاً في مقابل عذاب الله؛ ولهذا أي عناء، هو عناء مؤقَّت، أي آلام، هي في مستوى محدود، مِمَّا يمكن أن يحصل نتيجة جبروت الطغاة في هذه الدنيا، لكن حينما يكون ذلك في مقابل أن تفتدي نفسك من عذاب الله، الذي هو عذاب شديد، وأبدي، ورهيب؛ فحينها يسهل عندك كل تضحية.
وهكذا اتَّخذوا هذه المقارنات:
- على مستوى الأطماع والمصالح وحساباتها.
- وعلى مستوى التهديدات، والمخاوف، والأوجاع، والمخاطر، وما يترتب عليها.
فكان خيارهم يعبِّر عن حالة وعي عالٍ، ورشد كبير، وتوفيق من الله، توفيق من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
بحسب أخبار التاريخ، فقد استشهدوا بتلك الطريقة، وكان ثباتهم العظيم هزيمةً لفرعون الطاغية، ونصراً للحق، وانتصاراً للحقيقة، وتقديماً لنموذج راقٍ لغيرهم من الناس في ذلك المجتمع، في كيف يمكن- كما قلنا- كسر الحاجز، والتجاوز لطغيان فرعون، وعدم الاكتراث به.
ما بعد تلك المواجهة، ابتدأت مرحلة جديدة في مصر، ما بين موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” وهارون من جهة، وفرعون وملئه من جهةٍ أخرى، اتَّجه فيها موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، ومعه أخوه هارون “عَلَيْهِ السَّلَام”، إلى الدعوة للمستضعفين، والسعي لهدايتهم، وإبلاغ الرسالة الإلهية إلى المجتمع، اتَّجه إلى المجتمع بنفسه، مع التركيز على المستضعفين؛ لأنهم كانوا هدفاً أساسياً للرسالة الإلهية في الإنقاذ لهم، فقد تهيأ ما بعد تلك الجولة- كما يبدو- وضع جديد، فيه بعد ذلك الانتصار متنفَّس إلى حدٍ ما.
يقول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}[يونس:87]، وهذا في تلك المرحلة التي بدأا فيها بالعمل على هداية الناس، وتوجيه الإبلاغ بالرسالة إلى المجتمع بالاهتمام بالمستضعفين، فمن آمن بهما، يرتبط بهما هذا الارتباط للتربية الإيمانية، للهداية، وهذه البيوت عبارة عن مقرَّات ومراكز روحية، إيمانية، تربوية، لتجميِّع المؤمنين فيها، والله أعلم هل كانت علنيَّة، أم كانت سِرِّيَّة، بحسب الظروف التي كانت قائمةً آنذاك؟! لكنَّها كانت عبارة عن أماكن لِلتَّجَمُّع فيها، والحصول فيها على: التذكير، والعظة، والهداية، والتبليغ للرسالة الإلهية، والمفاهيم، والسعي لتربية أولئك المستضعفين، لتهيئتهم للخلاص، لمرحلة الخلاص والفرج.
أمَّا فرعون وملؤه وأعوانه، فاستمروا في عملهم ضد الرسالة الإلهية، وضد موسى وهارون “عَلَيْهِمَا السَّلَام”:
- اعتمدوا على الدعايات الباطلة والكاذبة، وحاولوا باستمرار أن يرسِّخوا ما يروِّجون له من دعايتهم الكاذبة: أنَّ موسى مجرَّد ساحر، وأنَّ المعجزة الإلهية التي أمدَّه الله بها هي عبارة عن سحر فقط، وأنَّ لديه أهداف سياسية، وأنَّه متآمر عليهم، ويريد أن يسيطر على الوضع، وأن يخرجهم من أرضهم، وأن يسيطر عليها… وما شابه ذلك من الدعايات.
- ومع الاستخدام للإغراءات المادية، حرص فرعون، ومعه ملؤه وأعوانه، على الإغراء للمجتمع بالمظاهر المادية، والإمكانات المادية: (الأموال)، والاستغلال- في نفس الوقت- لنفوذ السلطة.
وحاول بذلك أن يوجد حاجزاً، بالذات ما بين المجتمع المحسوب على فرعون، غير فئة المستضعفين، حاول أن يوجد بينهم حاجزاً وبين التَّقَبُّل من موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، أن يوجد حاجزاً بالإغراءات المادية، بالدعايات، بالربط بالمصالح، بالإفساد للمجتمع أكثر وأكثر، وهو عمل على إغواء قومه من خلال استخدام الدعايات؛ للتضليل الفكري والثقافي، وبالإغراء المادي.
ولهذا يقول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ}[الزخرف:51]، ومن الواضح أنَّه عقد اجتماعاً كبيراً، ثم تم التعميم بذلك البلاغ، بذلك النداء: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}[الزخرف:51-54]، حاول أن يحمي مجتمعه من التَّأثُّر بالمعجزة الإلهية الكبرى، التي شاهدها الكثير منهم، ومن لم يشاهدها، فقد سمع عنها من البقيَّة من الآخرين، وأن يبعدهم عن الاستجابة لموسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، من خلال هذا المحتوى من التضليل، الذي يتضمن المقارنة ما بينه وبين موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، بالاعتبارات المتعلِّقة بالملك، والسلطة، والمال، والجاه، والثروة، بهذه الاعتبارات، ويقدمها كمعايير تعتمد هي في الاختيار خلال المقارنة، أثناء المقارنة، ومن خلال المقارنة ما بينه وبين موسى.
أول ما يقدِّمه عن نفسه: الاعتبار المتعلِّق بالجاه والسلطة، أنه صاحب السلطة ونفوذ، وبهذا التعبير: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ}[الزخرف:51]، فما هو موسى في المقابل؟ إنسان عادي، لا يمتلك أي سلطة، لا يمتلك أي تأثير من موقع السلطة، {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}[الزخرف:51]، طبعاً عندما يتحدَّث عن نفسه في موقع السلطة، فهو يقدِّم نفسه أولاً في مستوى نفوذه، وقدرته، وإمكاناته، وقراره، من ذلك الموقع: موقع السلطة، وفيما كان عليه هو من طغيان وتجبُّر، وفي نفس الوقت الإغراء، الإغراء فيما يستطيع- مثلاً- أن يوزِّع من مناصب، وأن يربط الهواة بالمناصب، الذين قد يخدمون الباطل مقابل منصب.
أما في قوله: {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}[الزخرف:51]، فهو يقصد- كما يظهر- نهر النيل والفروع المتفرِّعة عنه، وربما أيضاً كانوا ينشئون المزيد من القنوات المتفرِّعة عن نهر النيل، ويتحكَّمون فيها، فهو يقدِّم نفسه وكأنه المالك لنهر النيل، المتصرِّف فيه، وهو الذي يرتبط به شعب مصر في معيشتهم، في حياتهم، في زراعتهم، في أسباب قُوْتِهم ومعيشتهم، يعني: يرون فيه رافداً للحياة، يرتبطون به الارتباط الكبير؛ مع أنَّ الله هو الذي خلق النهر، وهو الذي أجرى لهم ذلك النهر، لكن يقدِّم المسألة وكأنه تحت تصرفه.
ثم يقول لهم: {أَفَلَا تُبْصِرُونَ}[الزخرف:51]، يعني: هذه حقائق واضحة من هو الذي ينبغي أن تكونوا معه، من هو في موقع الملك، والسلطة، ويأمر، وينهى، ويتحكَّم، ويقرِّر، ولديه هذا النفوذ، وهذا التَّحَكُّم حتَّى في قنوات النهر.
{أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}[الزخرف:52]، وهو يقصد: أنَّ موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” في وضعه العادي جداً، ليس تاجراً، ولا ثرياً، ولا صاحب سلطة، في موقع منصب من مناصب السلطة، فهو يعبِّر عنه بهذا التعبير: بأنه {مَهِينٌ}[الزخرف:52]، يعني: ليس له أي أهمية، فهو لا يمتلك جاه السلطة، ولا جاه المال، ولا الموقع الاجتماعي الذي له تأثيره في المجتمع، وبهذا يقدِّم المقارنة؛ ليصرفهم عن موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” بهذا الأسلوب.
في قوله: {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}[الزخرف:52]، هو يحاول أن يتحدَّث عمَّا كان عليه حال موسى سابقاً، وإلا فالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” استجاب لموسى “عَلَيْهِ السَّلَام” في دعائه: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي}[طه:25-27]، هو قد استجاب الله له وأزال العقدة من لسانه، مع أنها لم تكن إلى درجة ألَّا يُبِين في كلامه، أو أن يكون كلامه غير واضح؛ إنما كما سبق لنا الشرح عن هذه المسألة، كيف حرص موسى أن يكون في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة والبيان؛ ولكن حينما تكون المسألة مسألة دعايات، عادةً ما تضخَّم قضايا بسيطة، أو تختلق مسائل لا أساس لها من الصِّحَّة.
{فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ}[الزخرف:53]؛ لأنهم في ذلك العصر كانوا يُلْبِسُون الملوك، والأمراء، والقادة، والشخصيات الاعتبارية في المجتمع، أسورة على أيديهم من الذهب، وتيجاناً على رؤوسهم مذهبة، مطعمة كذلك بالأحجار والفِضَّة، الأحجار الكريمة، والمعادن النفيسة، وكذلك يمتلكون الكراسي المذهَّبة، المزخرفة، فهو يقدِّم لهم هذه الزخارف، وهذه الماديات، والشكليات المادية، يقدِّمها لهم كمعايير، ويحدِّد لهم من خلالها أين يجب أن يكونوا، مع من؟ وفي أي اتِّجاه؟ وأين يكون ولاؤهم؟ فحاله هو محمَّل بقلائد الذهب والفضة والزينة، بالعكس من موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، فيقول: [موسى لو كان فعل شخصية ذات أهمية، وشخصية اعتبارية، وتستحق أن يكون لها دور في المجتمع، لكان له أسورة من ذهب في معصمه، لماذا هو بهذه الملابس الرَّثة؟ ومعه عصاه اليابسة تلك]، لكنها تحوَّلت إلى معجزة عجيبة.
{فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ}[الزخرف:53]، يعني: جاء وبرفقته الملائكة، قد اقترنوا به مرافقين له، ومؤيِّدين له، إذا كان رسولاً من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
كان لهذه الدعايات، ولهذه المقارنات، كان لها وقعها في قومه، تأثَّروا بها، واقتنعوا بها، واقتنعوا على أنَّه- فعلاً- موسى إنسان عادي، فقير، لا يمتلك ثروة مادية، إمكانات مالية، ما الذي سيعطينا؟ هل سنحصل على المال إذا سرنا معه؟ وفي نفس الوقت ليس له سلطة، ليس له تأثير من موقع السلطة؛ أمَّا فرعون فهو في هذا المستوى: سلطة، قدرة، إمكانات مادية، تحكُّم في أمور البلد، تحكُّم على المستوى الزراعي، حتَّى على مستوى قنوات النيل وفروعه المتفرِّعة عنه، وهو في بهاء الملك، في ثيابه الضخمة النفيسة الغالية، في الزخارف التي يلبسها، في تاجه المذهَّب، وفي أسورة الذهب التي في معصمه؛ فإذاً يتَّبع قوله، ويكونون معه، ويتركون موسى، بالرغم من أنهم قد شاهدوا المعجزة الإلهية العظيمة، التي تبيِّن لهم الحق.
{فَأَطَاعُوهُ}[الزخرف:54]، كانوا مطيعين له، مطيعين له: في الولاء له، في التَّمَسُّك به وبطريقته، في معاداة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، والإعراض عنه، وصد الناس عن الإيمان به، لماذا؟
يقول الله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}[الزخرف:54]، كانوا أصحاب أهواء، وخبث، وأطماع، وفجور، يعني: قد ربَّاهم فرعون على التربية المادية؛ فكانوا أهل أطماع شديدة، اتِّجاههم في الحياة اتِّجاه مادي، يعبدون المادة، يعبدون المال، يعبدون الأطماع، وكانوا أهل خبث، وفجور، فَجَره، وَخَبَثة، وَفَسَقَه؛ ولذلك اتَّجهوا بولائهم إلى فرعون، وأيَّدوا هذا الطرح، هذا الكلام، هذه المقارنات تمسَّكوا من خلالها بفرعون، واتَّجهوا معهم، فهم ارتبطوا بالمعايير المادية، والشكليات المادية، ومالوا إليها؛ نتيجةً لما هم عليه من الفسق، وكذلك من الخبث، من الإجرام، ويعتبرون أنه هو الذي يتيح لهم الاستمرار على ما هم عليه من فساد، أفسد المجتمع في أطماعه، في أهوائه، في ممارساته، في أخلاقه، في سلوكه، فاتَّجه على هذا الأساس، وورَّطهم لطاعته.
فعلاً البعض من الناس يعني نجد في عصرنا الكثير من الناس بهذا الشكل: تستهويهم الأطماع المادية؛ فيقفون في وجه الحق مهما كان الحق، البعض تستهويهم أيضاً الأطماع الاعتبارية في المناصب… وغير ذلك، يقارنون بهذه المقارنات: [من هو الذي يمتلك قوَّة عسكرية أكبر، إمكانات مادية أكثر؟] هذه معاييرهم، وليست معاييرهم بالنظر إلى أين هو الحق؟
واستغل فرعون وملؤه وأعوانه الإمكانات المادية والأموال في الاستقطاب للناس، والصد عن سبيل الله، والإضلال، موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” كان يلحظ كيف كان تأثير ذلك في كثيرٍ من الناس؛ ولهذا دعا الله، وشكا إلى الله، {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}[يونس:88]، يعني: فقد كفروا نعمة الله عليهم، ووظَّفوا تلك الأموال والإمكانات، واستغلوها في العمل على إضلال الناس، والعمل على نشر الباطل، وشراء الولاءات والذمم، والبعض من الناس يبيع نفسه، يبيع ولاءه، يبيع موقفه، بالمال، بالشيء التافه.
فدعا عليهم هنا، وهذا الدعاء هو بالتدهور الاقتصادي، حينما قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ}[يونس:88]، يدعو عليهم بالتدهور الاقتصادي، ونزع البركات من أموالهم، والإصابة لها بالآفات، كما دعا عليهم بأن يسلبهم الله التوفيق، {فَلَا يُؤْمِنُوا}[يونس:88]، بما قد وصلوا إليه من عناد، وصد عن سبيل الله، وكفر بالحق.
وكذلك استخدم فرعون، وملاؤه، وجنوده، وأعوانه، الجبروت والبطش ضد المستضعفين الذين آمنوا بموسى، من آمن منهم بموسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، وبرسالة الإلهية، فقد اتَّجه الملأ من قوم فرعون إليه، وناقشوا معه الوضع وما يقوم به موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” من تحرُّك في أوساط الناس، في الدعوة لهم إلى الله، والإبلاغ لهم برسالة الله، وكيف أنَّ البعض من المستضعفين آمنوا به، واتَّجهوا على هذا الأساس، {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ}[الأعراف:127]، فهم يعتبرون نشرهم للرسالة الإلهية، والعمل على هداية الناس، وتطهير المجتمع من المفاسد، يعتبرونه إفساداً في الأرض، {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ}[الأعراف:127]؛ لأنهم سيخرجون عن التأليه لك، ويتركون العبادة لك، والتأليه لك، {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}[الأعراف:127]، فاتَّخذ هذا القرار من جديد: بقتل أبناء من يؤمنون برسالة الله، ويتَّجهون مع موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، وعاد بهم إلى هذا المستوى من الاضطهاد، والظلم، والجبروت، وهو- فعلاً- جبروت على مستوى كبير من القسوة، ومن الاضطهاد، ومن المعاناة الكبيرة التي يصنعها لأولئك الذين يتَّجهون إلى الإيمان، حينما يكون ثمن الإيمان هو هذا المستوى من التضحية.
{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[الأعراف:128]، يعني: في مقابل ذلك الجبروت، في مقابل تلك الإجراءات القاسية، الظالمة، بقتل أبناء من يؤمنون بالله، وبرسالة الله، لابدَّ من الثبات والاستمرار، ومقابلة ذلك بالصبر، وهو صبر في مقام عمل، في مقام حركة مع موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، في مقام الاستجابة لرسالة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والتَّحَرُّك وفق هدى الله “جَلَّ شَأنُهُ”، والاستعانة بالله من خلال الالتجاء إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، التجاء بالدعاء، بالتَّوَكُّل، والأخذ بأسباب معونته، من الاستقامة على نهجه، والتَّوَكُّل عليه، والاستمرار في سبيله، والالتزام العملي وفق توجيهاته، هذه من أسباب المعونة من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والصبر: التَّحَمُّل في الاستمرار في الطريق، والثبات على الحق، مهما كانت المعاناة والتضحية، فهناك في نهاية المطاف فرج وخلاص.
{إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}[الأعراف:128]، ولهذا مهما كانت إمكانات الطغاة، ومهما كان جبروتهم، وظلمهم، وبغيهم، ومهما كان نفوذهم، ومرتكزات قوَّتهم، من: إمكانات عسكرية واقتصادية، ونفوذ اجتماعي وسياسي… وغير ذلك، كل هذا يمكن أن يزول بقدرة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ويصنع الله متغيرات أخرى، تتحوَّل وتنتقل بوضع المستضعفين وحالهم إلى التمكين لهم في الأرض، بدلاً عن أولئك الطغاة والجبابرة والمستكبرين، وهذا ما حدث كثيراً في التاريخ، وله نماذجه المعروفة للبشر في كثيرٍ من التواريخ والبلدان، فالأرض لله؛ ولهذا هو “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” القدير، الذي يصنع المتغيرات لتمكين عباد المستضعفين.
{وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[الأعراف:128]، يمكن أن تكون في الطريق: المعاناة، حالات الاضطهاد، بعض التَّقَلُّبَات والمتغيرات، ولكن في نهاية المطاف، فالعاقبة بالنصر، بالتمكين الإلهي، بهلاك الطغاة والجبابرة، لصالح عباد الله المؤمنين، الذين التزموا طريق التقوى، من خلال التزامهم العملي وفق هدى الله وتعليمات الله، والحذر من التفريط بها، أو التجاوز لها، فهي تصل بهم إلى أن يحقِّق الله لهم وعده الذي وعدهم به؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، وهو هنا يشدُّهم إلى الله، في مقابل ما بيد الطغاة من إمكانات، يعني: المقارنة ليست بالإمكانات في ما بين واقع المؤمنين وما بيد الأعداء، المقارنة هنا بالقيم الإيمانية، والأسباب الإيمانية، التي يحظى من خلالها المستضعفون بمعية الله، بالنصر من الله، بأن يغيِّر الله الأوضاع لصالحهم.
ونجد هنا في ما يتعلَّق بهذا العنوان: (عنوان الأرض)، في قصة الرسل إجمالاً، ومن معهم من المؤمنين، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}[إبراهيم:13-14]، وهنا وعد للرسل والأنبياء، ولأتباعهم من المؤمنين، من أولياء الله، الذين يسيرون في طريق الرسالة الإلهية، في طريق التقوى والإيمان، فإنَّ الله يمكِّنهم في نهاية المطاف؛ ولهذا أتى التعبير الدقيق: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}[إبراهيم:14]؛ ليؤكِّد على هذه الحقيقة.
الذين آمنوا بموسى والمستضعفون، في مقابل تلك الإجراءات القاسية، الظالمة، التي اتَّخذ فيها فرعون قراره بقتل أبناء من يؤمنون بموسى، {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا}[الأعراف:129]، وهم أجابوا على كلام موسى حين حثَّهم على الصبر، يعني قالوا: [إلى متى نصبر؟ حصلت لنا هذه المشكلة من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون الأبناء، ويستحيون النساء، ثم ها هو الأمر يتكرَّر من جديد، بعد ما جئتنا، فإلى متى نصبر؟ متى يأتي الفرج؟ متى يأتي الخلاص؟]، {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}[الأعراف:129]، وهذا هو منطق التَّذَمُّر والإحباط الناتج عن شِدَّة المعاناة، وشِدَّة القهر التي- فعلاً- يعانون منها، حالة شديدة وصعبة.
لكن موسى قال لهم من جديد: {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}[الأعراف:129]، يقول لهم: صبركم هذه المرَّة هو صبر في اتِّجاهٍ عملي يوصل إلى نتيجة، نتيجة يحقِّقها الله لكم، ونتيجة كبيرة، نتيجة عظيمة، هي: هلاك عدوكم، والاستخلاف لكم في الأرض، وسيأتي الوقت الذي ستكونون فيه في مرحلة الاختبار على التمكين، مثلما أنتم الآن في مرحلة الاختبار على المعاناة والشدائد، سيأتي يوم سيكون اختباركم فيه اختبار في التمكين، والاستخلاف في الأرض، {فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}[الأعراف:129].
{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}[الأعراف:130]، يعني: خلال تلك الفترة، بدأت المؤاخذة من الله لآل فرعون:
- أولاً: {بِالسِّنِينَ}[الأعراف:130]، يعني: بالجدب الذي كان يأتي لهم سنةً بعد سنة بأحوال متفاوتة، أحياناً جدب شديد، ثم يعقبه انفراجه، أحياناً جدب لمستوى معيَّن.
- وكذلك نقص من الثمرات من خلال الآفات الزراعية، التي تؤثِّر على محاصيلهم وعلى الثمرات.
وهذا أيضاً من رحمة الله بهم، يعني: هو من ناحية مؤاخذة، ولكن من ناحية أيضاً إذا تذكَّروا، إذا استفادوا من تلك المؤاخذة والمعاناة؛ لكي يشعروا بحاجتهم إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وعن أهمية الإيمان قبل أن يأتي العذاب الذي هو أكبر، فكيف كانوا في مقابل ذلك؟
{فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ}[الأعراف:131]، إذا تحسَّنت أوضاعهم، وانفرجت عنهم الشدائد إلى حدٍ ما، وحصل لهم أرزاق، {قَالُوا لَنَا هَذِهِ}[الأعراف:131]، قالوا: نحن جديرون بهذا الخير، هذا الخير لأننا جديرون به، ومستحقُّون له، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ}[الأعراف:131]، أمَّا إذا أصابهم ما يسوؤهم من الشدائد والآفات، فكانوا يتشاءمون بموسى ومن معه، يقولون: [هؤلاء هم أهل الشؤم، من حين تحرَّك موسى باسم الرسالة الإلهية، وبإبلاغ الرسالة الإلهية، وأتى بهذا العنوان؛ وجدنا الجدب، وجدنا الشدائد، وجدنا المشاكل، وجدنا الفقر، فهو هو ومن معه هم سبب للنحس، ولهذه الشدائد]، يتشاءمون بهم، ويطَّيروا بهم، {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ}[الأعراف:131]، الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” هو العليم بأعمالهم، وهو المؤاخذ لهم، {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}[الأعراف:130].
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[الأعراف:131]، يجهلون هذه الحقائق؛ لأنهم ينظرون من منظار آخر، وبحسابات أخرى، وبطريقة تفكير تعميهم عن الفهم للحقائق، حينما ارتبطوا بفرعون وفق تلك المعايير المادية، والشكليات المادية.
مع ذلك، مع ما يأتيهم من شدائد تذكِّرهم إذا أرادوا التَّذَكُّر، فهم أصرُّوا على عنادهم وكفرهم، كيف تحدَّثوا إلى موسى؟ {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}[الأعراف:132]، يعني قالوا: مهما كانت الآيات التي تأتي بها، في قوَّتها، ووضوحها، فنحن سنعتبرها سحراً، ولن نؤمن لك أبداً، يعني: لا تتعب نفسك بأي آية، بأي طريقة، بأي معجزة… بأي شكلٍ من أشكال الاستدلال الذي تقدِّمه لمحاولة إقناعنا، يعني: هم اتَّخذوا قرارهم بألَّا يؤمنوا به إطلاقاً، مهما كان لديه من آيات ودلائل، وبراهين ومعجزات، حتَّى من خلال ما أتاهم من حالة الجدب والشِّدَّة… وغير ذلك؛ فأتاهم المزيد من العقوبات والمؤاخذة من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
حالة العناد، والجحود، والإصرار على الباطل، إلى هذه الدرجة التي وصلوا إليها، هي حالة رهيبة جداً، وهي خسارةٌ عليهم، في نهاية المطاف خسروا هم.
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ}[الأعراف:133]، أرسل الله عليهم الطوفان، يعني: فيضان الماء، فاض عليهم النيل، نهر النيل، دمَّر المزارع، وأغرق الأرض، وأضرَّ بالمساكن، ومثَّل إشكالية كبيرة عليهم؛ لم ينفع فيهم ذلك، لم يتَّعظوا، ولم يعتبروا.
{وَالْجَرَادَ}[الأعراف:133]، الجراد فيما بعد كذلك، يعني: كل آية أتت بمفردها في وضعية، في مرحلة؛ لتكون تذكيراً لهم، وحُجَّةً عليهم، الجراد أتلف عليهم محاصيلهم الزراعية، والنباتات بشكلٍ رهيب، ولم ينفع معهم ذلك.
{وَالْقُمَّلَ}[الأعراف:133]، القُمَّل (البرغوث) نقمةً عليهم، يؤرِّقهم، ويذهب بنومهم، بلدغه المؤذي، القمَّل يعرف أكثر شيء في الأرياف، وهو مؤذٍ فعلاً على النوم، وحينما كان عقوبةً لهم كان بكثرة هائلة جداً، يعني: ملأ فراشهم ومساكنهم، وبشكل مزعج ومؤذٍ جداً.
{وَالضَّفَادِعَ}[الأعراف:133]، الضفادع كذلك سلَّطها الله عليهم، وأرسلها عليهم، لكن بكثرة هائلة جداً، ملأت بيوتهم، وفراشهم، ومطابخهم، وكانت تتواجد في أواني الطعام، في أواني شرب المياه، في كل مكان، حتَّى في فراش النوم، فكانت كثرتها الهائلة مزعجةً لهم جداً، ومنغِّصةً لحياتهم.
{وَالدَّمَ}[الأعراف:133]، الدم، يذكر البعض من المفسِّرين أنه عِلَّة من العلل التي أصيبوا بها، والبعض يقول: أنه نفس الماء كان يتحوَّل إلى لون الدم، والله أعلم!
{آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ}[الأعراف:133]، يعني: في كُلٍّ منها آية، عبرة لهم، وذكرى لهم؛ ليرجعوا إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وليروا ضعفهم؛ لأنهم كانوا يرون أنفسهم في مأزق، كيف يتعاملون مع أيٍّ منها؟ مع أنها مخلوقات ضعيفة صغيرة، بالنسبة للجراد، أو القمل، أو الضفادع، لكن مع ذلك كما قال الله عنهم: {فَاسْتَكْبَرُوا}[الأعراف:133]، أصرُّوا على ما هم عليه من كفر، وجحود، وعناد، وفسق، وإجرام، وصد عن سبيل الله، ولم يؤمنوا، ولم يؤمنوا؛ كبراً منهم، وأنفةً من اتِّباع الحق.
{وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ}[الأعراف:133]، يعني: كانوا مستمرين على عادتهم السابقة في الإجرام، وارتكاب الجرائم، وممارسة الجرائم؛ ولذلك فسدوا، لم يعد لديهم قابلية للحق أبداً.
ثم إنَّ الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أيضاً عاقبهم بعقوبة شديدة، أكثر شِدَّة من تلك العقوبات والمؤاخذة، وهي: عذاب الرجز، عذاب الرجز الذي حطَّم كبرياءهم، {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}[الأعراف:134]، (الرِّجْز) عذاب من أنواع العذاب المزعج، الموجع، المخزي، يعني: يجمع هذه الاعتبارات الثلاث:
- عذاب موجع.
- وفي نفس الوقت مع أنه موجع هو مخزٍ.
- وفي نفس الوقت لا يتحملونه؛ لأنه أشبه ما يكون بالعذاب المحرق، المزعج، الذي لا يتهيأ لهم التَّحَمُّل لآلامه.
فهو مؤلم، مزعج، ومخزٍ في نفس الوقت؛ فحطَّم كبريائهم، مع ذلك لم يؤمنوا، لكن اتَّجهوا بهذا الاتِّجاه: قدَّموا العهد لنبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، أنَّه إذا دعا الله ليكشف عنهم الرجز، فأنهم سيؤمنون به، {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}[الأعراف:134]، وأن يرسلوهم معه من العذاب، أن يتركوا لهم المجال ليذهبوا معه، ويكفُّوا عن ظلمهم واستعبادهم.
لِشِدَّة العذاب، اتَّجهوا بهذا العهد إلى موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، وأراد الله إتماماً للحُجَّة أن يعطيهم فرصةً إضافية، مع أنَّ الله يعلم أنهم لا يفون بعهدهم، {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ}[الأعراف:135]، يعني: ينقضون عهدهم ولا يفون به، ولكن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” يمهل ولا يهمل، {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}[الطارق:17]، وهذه المهلة {إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ}[الأعراف:135]، هناك أجل للأمم، إذا طغت، وتكبرت، وظلمت، وأجرمت، فهي تتَّجه نحو السقوط، لا تبقى للأبد.
البعض من الناس- مثلاً– يتصوَّر حين يرى ما عليه أمريكا، ما عليه إسرائيل من إمكانات، من قدرات عسكرية، أنهم سيبقون للأبد، قبلهم كانت إمبراطوريات سقطت، تلاشت، البعض انكمشت، وتقلَّص دورها ونفوذها وتأثيرها؛ فالأمم لها أجل، وإذا طغت وتكبَّرت؛ تعجِّل لنفسها بالزوال، أو الانكماش.
فهم أصرُّوا على البقاء في حالة الطغيان، وهي اتَّجهت بهم تلك الحالة نحو الهلاك، نحو العقوبة المحتومة، الملأ ارتبطوا بتلك المصالح، وذلك النفوذ، وتلك السلطة، والجماهير من قومهم بالفسق، والتربية على الباطل، والمعايير المادية، والأطماع والأهواء، ارتبطوا كذلك بفرعون، والملأ على ما هم عليه.
مع ذلك كانت هناك حالة مميَّزة، مختلفة عن كل ذلك، الحالة المميَّزة بين الفراعنة هي: امرأة فرعون، وهذه حالة عجيبة جداً، يعني: بين كل ذلك الجو، الذي هو قائم على المادة، على البغي، على الطغيان، على الأطماع، على الأهواء، على الترف، كانت حالةً مختلفةً عن كل ذلك.
امرأة فرعون، هي التي كان لها الدور الأبرز في السعي لحماية موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” في طفولته، تحدَّثنا عن ذلك في بداية القصة، وهي حينما أتى موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، وبلَّغ رسالة الله، وأظهر المعجزات الكبرى؛ آمنت بالله، وصدَّقت برسالة الله، وآمنت بموسى وهارون “عَلَيْهِمَا السَّلَام”، والله يقول في القرآن الكريم: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[التحريم:11]، هذه المناجاة، وهذا الدعاء، يقال أنه كان أثناء تعذيبهم لها؛ لأن فرعون لمَّا يئس من قدرته على إقناعها للتراجع عن إيمانها، بالرغم من الإغراءات، والإغراءات كبيرة بالنسبة لها، يعني: ما يعرض عليها هو شيء كبير.
كثير من الناس يكفيه أتفه الأشياء للإغراء المادي، والصد له عن سبيل الله، والانصراف به في خدمة الباطل، والاستمالة له إلى الباطل بأتفه شيء؛ أمَّا هي فكانت في قصر فرعون، وامرأة فرعون، وملكة شعب مصر، الاعتبار المعنوي، أمَّا المادي فكل الثروات متاحة أمامها، ثروة فرعون بكلها متاحة أمامها، ولكنها آثرت الإيمان بالله، وما عند الله، على كل ما كانت فيه من نعيمٍ مادي في قصر فرعون، وثروته المادية الهائلة، والاعتبار المعنوي كملكة لشعبها، وامرأة لفرعون في علوه وسلطانه، كل ذلك لم يمت ضميرها الإنساني، ولم يغيِّر قيمتها الإنسانية، وارتقت بإيمانها بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، لترى أنَّ ما فرعون فيه من ترف وإمكانات، إنما هو قائم على الظلم، والعدوان، وعذابات المستضعفين والمظلومين، ولا تريد أن تكون شريكةً له في جرائمه، وظلمه، وطغيانه، وعتوِّه.
لمَّا يئس فرعون من قدرته على تغيير إيمانها وموقفها، أمر بقتلها بطريقةٍ وحشية، وتعذيبٍ شديد، فكانت هذه مناجاتها لله قبيل الشهادة، ما قبل أن تستشهد، دعت بهذا الدعاء: {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[التحريم:11]، وكانت على مستوى راقٍ من الوعي، يعني: لا هي تأثرت بالإغراءات المادية والترف، ولم تتراجع خوفاً من التضحية، والقصة طويلة لها، يعني: لا يتَّسع المقام للحديث عن ذلك.
هناك موقف آخر أيضاً، برز في القرآن الكريم لمؤمن آل فرعون، وهو من آل فرعون، رجل مؤمن منهم، وموقفه موقفٌ عظيم، يدل على ارتقائه الإيماني العالي إلى مرتبة الصديقين، يعني: مرتبة تحت مرتبة الأنبياء، في مستوى الكمال الإيماني العالي جداً، كما في الآثار النبوية الوصف له بذلك، أفرد له القرآن الكريم ثلاث صفحات في (سورة غافر)، وما ورد يبيِّن ما هو عليه من مستوى عالٍ في إيمانه، في وعيه، في بصيرته، في يقينه، في ثقته بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وكان يكتم إيمانه بالتنسيق مع موسى؛ لأنه كان يؤدِّي دوراً مهماً في القصر، وفي المرحلة التي وصل فيها الصراع ذروته، واتَّجهت الأمور نحو سعي فرعون إلى إقناع ملئه بقرار قتل موسى، والسعي لإبادة المؤمنين به إبادةً جماعية، أعلن مؤمن آل فرعون موقفه وإيمانه، {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ}[غافر:28]… إلى آخر الآيات، على أمل- إن شاء الله- أن نتحدَّث عن قصته بالتفصيل في وقتٍ يتَّسع لذلك.
مؤمن آل فرعون نجَّاه الله من شرِّ فرعون وملئه؛ لأنهم بعد أن ذهبوا لملاحقة موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” والمؤمنين معه، والمستضعفين الذين خرجوا معه، هلكوا، وهو كان باقياً في مصر، لم يخرج معهم؛ فنجَّاه الله من سيِّئات ما مكروا، كما في القرآن الكريم: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ}[غافر:45].
وعلى العكس من ذلك، برز موقف سيء جداً لرجل من بني إسرائيل، هو: قارون، الذي انحاز إلى صف فرعون، وناصره، وعاضده، وبغى على المستضعفين، وكان قارون تاجراً عظيم الثروة، وثرياً يمتلك ثروةً هائلة، سخَّرها لخدمة الباطل والبغي، تحدَّث القرآن عن قصته: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}[القصص:76]، وقد استغله فرعون لِلشَّدّ إلى التَّوَجُّه المادي، وذكر الله قصته في القرآن حينما خرج على قومه في عرضٍ بالإغراء المادي، {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}[القصص:79]، عمل استعراضاً كبيراً لثروته وإمكاناته، بالشكل الذي يشدّ حتَّى المستضعفين إليه، وإلى ما عنده من ثروة؛ ليكون هو النموذج الذي ينشدُّون إليه، وينشغلون به.
والنتيجة بعد ذلك، في عاقبة بغيه وغروره وكفره للنعمة: كانت العقوبة الإلهية بالخسف، كما قال الله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ}[القصص:81]، كذلك على أمل أن نتحدَّث- إن شاء الله- عن تفاصيل القصة في وقتٍ يتَّسع لذلك.
عموماً، خلال تلك السنوات تمايزت الصفوف، ووصلت الأمور إلى نهاياتها، بعد تمام الحُجَّة، واكتمال الفرصة، واكتمال أجل أُمَّةٍ قامت حضارتها على الطغيان والبغي، وأتى موعد الخلاص للمستضعفين، حالة الطغيان الفرعوني كانت وصلت إلى نهايتها، وحالة المستضعفين وصلت أيضاً إلى وضعية مهيَّأة للفرج، أصبح ارتباطهم بموسى “عَلَيْهِ السَّلَام” قوياً إلى درجة أن يستجيبوا له في مسألة الخروج؛ ولهذا أتى الوحي من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” إلى موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” بطريقة الفرج والخلاص: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ}[الشعراء:52]، يعني: أن يسري بهم ليلاً، وهذا يعني: أن يُعِدَّ خطةً سرية، بحيث يهيئهم لذلك، ويرتب لهم ذلك في الوقت المناسب؛ ليكون تحرُّكهم في وقتٍ واحد، وفي ليلةٍ واحدة، وأخبره الله أنَّ الأعداء أيضاً سيكتشفون خروجه ومن معه من المستضعفين، وسيتبعونهم للحاق بهم، ويحاولون أن يمنعوهم من الخروج.
نفَّذ موسى “عَلَيْهِ السَّلَام” بمعاونة أخيه هارون الخطة، وتحرَّك معهما المستضعفون في الوقت المحدَّد من الليلة المحددَّة، ولكن لكثرتهم، واختلاطهم بالمجتمع؛ لأنهم كانوا جزءاً من المجتمع، اتَّضح ذلك، وعرف فرعون وملؤه وجنوده بالخبر، ولكن معرفتهم بالخبر أيضاً هي جزءٌ من الخطة الإلهية في تدبير الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.
ما إن عرف فرعون بخروج موسى والمستضعفين، وذهابهم ليلاً، حتَّى عمل نفيراً عاماً، واستدعى جنوده من مختلف المدن على الفور، {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ}[الشعراء:53]، يحشرون الجنود ويستنفرونهم، ويحرِّضون المجتمع مع ذلك؛ ليكون الجو العام بكله جو تعبئة عامَّة.
{إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ}[الشعراء:54]، هذا ما كان يقوله الحاشرون، {هَؤُلَاءِ}[الشعراء:54]، يعني: موسى ومن معهم، هم جماعة قليلة، متمرِّدة، مخالفة، وانفصلت عن المجتمع، واتَّجهت للهروب وهي مجموعة قليلة ضعيفة يسهل القضاء عليها، لا تمتلك لا العدد ولا العُدَّة اللازمة للمواجهة.
{وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ}[الشعراء:55]، يعني: لا يمكن السكوت عنهم، فقد أغاضونا بالمخالفة والخروج من حالة الخضوع والاستعباد التي كانوا فيها.
{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}[الشعراء:56]، يعني: في حالة حذر عام، الكل عليه أن يكون في حالة حذر وانتباه وجهوزية، ومبادرة للقضاء عليهم، ومن موقع القوَّة، والاجتماع، والكثرة، والوحدة، ولن نغفل عنهم حتَّى تتحقَّق أهدافهم، أو يفلتوا من قبضتنا.
وتحرَّك الجنود من مختلف المدن في ذلك النفير العام، ولحقوا بفرعون، وخرج بنفسه مع جيشه وملئه وجنوده، خرجوا بتلك النفسية، يعني: من الاعتداد بما هم فيه من كثرة، وقوَّة، وإمكانات، وأيضاً بما هم فيه من حالة غرور، وطغيان، وكبر، واتَّجهوا وكانوا على ثقة تامَّة بأنهم سيحسمون الموقف لصالحهم، ربما كان التفكير أن يلحقوا بموسى ومن معه ويبيدوهم بشكلٍ كامل، وهم ينظرون إلى وضعية أولئك المستضعفين وإمكاناتهم، خرجوا وهم لا يتوقعون أنهم سيسيرون هم إلى نهايتهم.
{فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}[الشعراء:57]، يعني: فيما كانوا في من نعمة كبيرة على ضفاف نهر النيل، ببساتينهم، ومزارعهم الخضراء النضرة، ذات المحاصيل الوفيرة من مختلف الثمار والفواكه، وذات المناظر الجميلة لفروع نهر النيل، والعيون المتفرِّعة، التي يتدفق منها الماء إلى تلك البساتين والمزارع.
{وَكُنُوزٍ}[الشعراء:58]، بما يقتنونه من المدَّخرات النفيسة، من الذهب، والفضة، واللؤلؤ، والأحجار الكريمة، والزينة، والمعادن الغالية… مختلف المقتنيات الفاخرة.
{وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}[الشعراء:58]، في قصورهم الضخمة، ومساكنهم الجميلة والواسعة، وأثاثهم المميَّز، ونمط حياتهم القائم على الرفاهية والراحة والوفرة.
{كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}[الشعراء:59]، يعني: النعمة فيما بعد التمكين، فحظوا بتغيُّر حالهم أولئك المستضعفين، تغيَّرت أحوالهم من حالة البؤس الشديد، والفقر المدقع، والعناء، والقهر، والاستعباد، والأشغال الشاقة جداً، والامتهان في المهن المسترذلة، والعناء الشديد، انتقلوا ما بعد التمكين إلى حياة اجتمع لهم فيها مع العز والنصر الرفاهية والنعيم، واستمر ذلك، ثم اتَّجهوا- وهم كذلك- فيما بعد إلى الطغيان، وعاقبهم الله.
{فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ}[الشعراء:60]، يعني: كان الوقت الذي لحق فيه فرعون بموسى ومن معه وقت شروق الشمس، تمكَّنوا من اللحاق بهم حتَّى اقتربوا منهم، كادوا أن يصلوا إليهم، وتراءى الجمعان:
- جمع فرعون: من الطغاة، والجنود، والملأ، والجيش.
- وجمع موسى: من أولئك المستضعفين، الذين لا يمتلكون لا العُدَّة اللازمة للقتال، ولا المستوى النفسي المهيَّأ للمواجهة، ولا الإمكانات… ولا أي شيء في مستوى المواجهة.
كلٌّ منهم أصبح يرى الآخر، في الوقت الذي وصل فيه موسى ومن معه إلى ساحل البحر.
{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}[الشعراء:61]، فالبحر أمامهم، وفرعون وجنوده خلفهم، مع تجربتهم السابقة مع فرعون، ما قد عاشوه من العذاب، وما عرفوه من طغيانه، وجبروته هو وجنوده؛ فكانوا في حالة خوف شديد، ويأس من نجاتهم، قبلهم البحر، وفرعون من خلفهم هو وجنوده؛ لذلك أكَّدوا هذه العبارة: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}[الشعراء:61]، يعني: أن فرعون وجنوده سيتمكَّنون من إدراكهم وإبادتهم.
موسى “عَلَيْهِ السَّلَام”، حتَّى في تلك اللحظة الحرجة جداً، كان واثقاً كلَّ الثقة بوعد الله الحق؛ ولهذا: {قَالَ كَلَّا}[الشعراء:62]، هو على ثقة تامَّة بوعد الله، أن فرعون وجنوده مهما حاولوا فلن يستطيعوا أن يدركوهم؛ لأن الله قد وعدهم بالنجاة.
{إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}[الشعراء:62]: معي ربي، فهو ينصرني على هؤلاء الأعداء، وهو القادر، القاهر، الذي يمنع الأعداء من تحقيق أهدافهم، {سَيَهْدِينِ}[الشعراء:62]، يعني: يدلني على وسيلة للنجاة، وطريقة للخلاص تجاه ذلك المأزق، البحر من أمامهم، والعدو من خلفهم.
{فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ}[الشعراء:63]، هذه الآية العجيبة، التي لم تكن بحسبان فرعون وقومه، ولا بحسبان أولئك المستضعفين، فكانت هذه هي وسيلة النجاة العجيبة بقدرة الله وتدبيره، أن يضرب موسى البحر بعصاه، وضرب البحر بالعصا، جعل الله منها هذه المعجزة العجيبة: أن تكون أيضاً وسيلةً للفرج.
{فَانْفَلَقَ}[الشعراء:63]، البحر انشق إلى قسمين، وانفتحت طريقٌ بينهما، بين القسمين من البحر، لعبور موسى ومن معه، {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ}[الشعراء:63]، يعني: من جهتي البحر بعد انفلاق البحر، {كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}[الشعراء:63]: كالجبل الكبير العظيم، في كتلة الماء الكبيرة، التي أمسكها الله بقدرته، وأرسل الله الرياح القوية على قاع البحر المكشوف لتيبسه؛ حتَّى لا يبقى وحلاً، يصعب المرور منه، وهذا يهيِّئ لموسى ومن معه أن يمروا بسرعة؛ ولهذا في الآية الأخرى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى}[طه:77]، وكانت آية عجيبة، آية عظيمة جداً: انفلاق البحر بتلك الطريقة، من مظاهر قدرة الله الكبرى.
{وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ}[الشعراء:64]، يعني: فرعون وجنوده وملأه، قرَّبهم الله، {أَزْلَفْنَا} يعني: قرَّبنا، مع أنَّ المشهد مشهد يبعث على الرهبة، وعلى مراجعة الحسابات، وإعادة النظر، وأخذ العبرة، ولكن الله قد كتب هلاكهم؛ فاندفعوا، اندفعوا للحاق بموسى ومن معه، بالرغم من هذه المعجزة الكبيرة العظمى التي شاهدوها بأنفسهم.
{وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ}[الشعراء:65]، فقد عبروا من تلك الطريق بأمان، حتَّى خرجوا جميعاً من البحر إلى البر، وفي الوقت الذي كانوا قد خرجوا فيه جميعاً، كانوا يشاهدون فرعون وجنوده وقد دخلوا جميعاً إلى داخل البحر، هم يحاولون أن يلحقوا بهم في تلك الطريق التي فتحها الله من بين الماء.
حينما أصبح فرعون وملاؤه وجنوده بين فرقي ماء البحر، أتت اللحظة الحاسمة في تدبير الله لهلاكهم؛ فأرجع البحر عليهم، {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ}[الشعراء:66]، فكل كتلة من كتلتي مياه البحر، التي كانت كلٌّ منهما كالجبل العظيم، كالطود العظيم، أطلقها الله عليهم، فسرعان ما عادت الأمواج الهائلة عليهم وغرقوا.
ويبيِّن الله في القرآن الكريم كيف كانت اللحظات الأخيرة لفرعون الطاغية، المتكبِّر، {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[يونس:90]، في تلك اللحظة، في أعماق البحر، وقد غمرته الأمواج، زال عنه كل ذلك الكبر، والعتو، والعناد، والطغيان، ولكن بعد فوات الأوان، في لحظة الهلاك، المؤاخذة الحاسمة، التي لا تقبل فيها التوبة، ولا ينفع معها الإيمان؛ ولهذا على ما كان عليه من غرور وتكبُّر، وهو الذي قال سابقاً، يخاطب وزيره هامان، وهو هلك معه أيضاً: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى}[غافر:37]، وجد نفسه غارقاً في قعر البحر.
الله ردَّ عليه: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[يونس:91]، الآن تظن أنه ينفعك الإيمان! فاتت الفرصة، وفات الأوان، لم يبق إلا العذاب.
{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}[يونس:92]، بعد هلاكه وموته غرقاً في البحر، نجَّى الله بدنه الميِّت، يعني: كان قد مات، لكن ذلك الجسم الميِّت نجَّاه الله من الضياع في البحر، ومن أكل الأسماك في البحر، وهوام ودواب البحر، وقذفه البحر إلى الساحل؛ ليراه شعبه، ومجتمعه، الذي كان يتَّخذه إلهاً، يُفْرِط في تعظيمه، يطيعه الطاعة المطلقة في الباطل، ومن يراه من بعد أيضاً، يرونه جُثَّةً مَيِّتَة، بعد الذي كان فيه من الطغيان والغرور والتَّكَبُّر.
تحقَّق الوعد الإلهي، فرعون وهامان وجنودهما وصلوا جميعاً إلى الهلاك، وما كانوا يحذرونه، وتحقَّق انتصار المستضعفين، {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ}[الأعراف:137]، للطغيان نهاية، مهما بلغ في هذه الدنيا، مهما كانت إمكانات الطغاة، قدراتهم الهائلة، نفوذهم، أموالهم، ثرواتهم، تأثيرهم في المجتمع، دعاياتهم، القدرة الإعلامية، كل ما يمتلكونه، الطغيان يقود إلى النهاية.
نَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛







